الشرير لا يفهم رسالة المحبة

الشرير لا يفهم رسالة المحبة

بيروت - المطران الياس عودة
2017/01/09

نحن في زمنٍ مباركٍ عيّدنا فيه لميلاد ربنا يسوع المسيح بالجسد، وسوف نعيّد لذكرى الظهور الإلهي.

ربُّنا تجسد ليخلّصَنا. تنازلَ من علوِ مجدِهِ واتخذَ جسَدَنا ليخلّصَ الإنسانَ من خطيئته. بعدما خلقَ اللهُ السماءَ والأرضَ وكلَّ ما فيها، خلقَ الإنسانَ على صورتِهِ ومثالِهِ وملّكَه على الخليقةِ وأعطاه كاملَ الحريةِ في الفردوس. أمر واحد ما كان على الإنسان القيامُ به: أن يأكلَ من شجرة واحدة دلّه اللهُ عليها.

لم يدركْ الإنسانُ مدى الحرية التي مَنَحَهُ إياها الله. لم يرَ إلاّ الإستثناء، فعصى أوامرَ الله وتمرّد وسقط. لكنّ اللهَ المحبَّ لم يتركْ خليقتَه بل أرسلَ الأنبياءَ ليعلّمَ الإنسانَ فلم يتعلّم. عندها، ولعمق محبته للبشر، أرسل ابنَه الوحيد ليفتدي به الإنسان. اللهُ محبة، وتَجَسُّدُه أعظمُ تعبير عن هذه المحبة. لكنّ الشرَّ المعشِشَ في قلبِ الإنسان جعلَه مرةً أخرى يُنكِرُ نعمةَ الله ومحبتَه فصَلَبَ مَن جاء ليخلّصه.

الشريرُ لا يفهمُ رسالةَ المحبة وعمقَها. الشرُ يُعمي القلبَ عن رؤية الحقيقة. مَن سكن الشرُّ قلبَه يموتُ فيه الضمير.

الربُّ الإلهُ تجسدَ ليخلِّصَ الإنسان. مَن أنت أيها الإنسان لتخطفَ حياةَ إنسانٍ افتداه الربُّ بدمه؟

الربُّ خلق الإنسانَ حراً. مَن أنت أيها الإنسان لتقيّدَ حريةَ الآخر وتفرضَ عليه رأيَكَ ومفاهيمك؟

الياس، الشابُ المؤمنُ، الطموحُ، المحبُّ، الذكي، الذي جاهد منذ عمرٍ مبكرٍ ليتغلّبَ على مصاعبِ الحياة، اغتالته يدُ الشرِ والحقدِ والإجرام.

الياس وكلُّ الشهداء الذين قُتلوا معه كانوا ضحيةَ التعصبِ الأعمى والتطرّفِ والشر. هل كان القاتلُ يعرفُ هؤلاء الأبرياء الذين قتلهم؟ فلماذا قتلهم؟ ما الدافعُ الى قتلهم؟ وهل حياةُ البشر مُلْكٌ له يتصرّفُ بها كما يشاء؟ مَن عيّنه ديّاناً للناس؟ وهل يقبلُ أن يدينَه الآخرون بحسب قناعاتِهم ويقتلوه كما فعل هو بهؤلاء الأبرياء الذين لا ذنبَ لهم إلاّ وجودهم في تلك الساعة في ذلك المكان؟

إنّ الإيمانَ الصادقَ بالله لا يقبلُ هذا التصرّف. فمَن يقتل الأبرياءِ باسم الدين، الدينُ براءٌ منه لأنّ الأديانَ السماوية كلّها ترفضُ العنفَ والقتلَ.

لذلك أملُنا أن ترتفعَ الأصواتُ المستنكرة للعنف والقتل والإجرام، من كلِّ الجهاتِ وكلِّ البلدان وكلِّ الأديان، لأنَّ وحشَ التطرّفِ هذا سوف يقضي على الجميع، وسوف يأكلُ نفسَه عندما لا يجدُ مَن يأكلُه.

أملُنا أن يتكاتفَ العالمُ أجمع لكبح جماح هذه الظاهرة وأن يعملَ الجميعُ على نشرِ ثقافةِ المحبةِ والتسامحِ وقبولِ الآخر واحترامِ حريته وكرامته وإنسانيتِه.

الإنسانُ أخو الإنسان والجميعُ خُلقوا على صورة الله ومثاله. ما يميّزُ الواحدَ منهم عن الآخر محبته وصدقُه وأخلاقُه الحسنة واحترامُه للآخر والتفاني في خدمته.

مَن كانت المحبةُ في قلبه لا يؤذي ولا يقتلُ ولا يَحْقِدُ بل يسامحُ ويحبّ. المحبةُ تجعلُ الإنسانَ يفهمُ معنى الحياةِ الحقيقي وقيمتها ويدركُ أنّ عليه استثمارَ المواهبِ الممنوحةِ له من اللهِ، لذلك لا يُفَرِّطُ في الحياة ولا يؤذي الآخرَ أو يدينه.

رجاؤنا أن تعمَّ المحبةُ البشر فلا نعودُ نشهدُ التعصبَ والتشدّدَ والتطرّفَ والأصوليةَ التي تؤدي كلُّها إلى جرائمِ القتلِ والإرهاب الذي يقضي على البشرِ والحجرِ ويترُكُ جروحاً لا تندمل.

أما الياس، الشابُ المؤمنُ، الذي أحبّه كلُّ مَن عَرَفَهُ، الذي كان يعيشُ بين أيقوناتِ القديسينَ في غرفتِهِ، ويلجأُ إلى الصلاةِ في كلِّ حين، فقد غادَرَنا باكراً، وهو في ريعان الشباب، لكنَّه الآن في أحضانِ الآب، يُسبِّحُهُ مع الملائكةِ والقدّيسين، ويُنشِّدُ معهم نشيدَ النصرِ والقيامة.

نحنُ أُناسٌ قياميون، نؤمنُ بالربِّ يسوع المسيح القائِمِ من الموت. إلهُنا الذي غَلَبَ الشرَّ والخطيئةَ وداسَ الجحيمَ وقامَ من بين الأموات هو يتقبَّلُ الياس في فردوسه ويُعزّي قلوبَ عائلته ويزرعُ فيها الرجاء. أما نحن فنقولُ لهم إنَّ الشرَّ لا بدَّ زائلٌ لأنَّه ليس أبدياً إلاّ وجهُ الله.

في الختامِ، لا بُدَّ من التعبير عن الشكر العميق للمسؤولين اللبنانيين جميعاً، الذين أبدوا كلَّ اهتمامٍ بأبنائنا اللبنانيين الذين كانوا ضحيةَ الحقدِ الأعمى، ونسألُ اللهَ أن ينيرَ سبيلَهم من أجل العمل على صونِ لبنان من كل شر، وإرساءِ السلامِ فيه والعملِ على نشرِ المحبةِ وقبولِ الآخرِ واحترامِ كرامته وحفظِ حياته.

* كلمة ألقاها في جناز الشاب الياس وارديني في كنيسة مار نقولا.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء