التطرّف والتخلّف والتعسّف

التطرّف والتخلّف والتعسّف

الأب د. بيتر مدروس
2017/09/22

أعلن سيادة المطران عطا الله حنا موقف المسيحيين الفلسطينيين، ولا سيّما المقدسيين، من اليهود المتطرّفين، وهم قوم يُزعجهم الكيان المسيحي. ولخّص سيادته موقفنا بالثبات وبأن مضايقتنا لا تزيدنا الاّ صمودا. والأسقف المتكلّم ابن لفلسطين بار، من رامة الجليل، ويحمل مرّتين باليونانيّة لقب "جليل" وتبقى الجلالة العظمى لله والفريدة. فكلّ أسقف في الكنيسة البيزنطيّة الشقيقة يحمل باليونانيّة لقب "سباسميوتاتوس" أي "جليل المقام ورفيعه". ومطراننا يحمل لقب "رئيس أساقفة سبسطية" التي شُيّدت على اسم الإمبراطور "أوغسطسوفي اليونانيّة "سبستوس" أي "الجليل".

ليس الوجود المسيحيّ في القدس وكلّ  فلسطين وحده مزعجًا لليهود المتطرّفين، وليس لهم وحدهم!

سيادة المطران، والكلام للكلّ، بصراحة الوجود الاسلامي الفلسطيني العربي هو أيضًا ازعاج لقوم التلمود كبير. ويتساءل المرء أيّنا يكرهون أكثر، بيننا المقدسيين، المسيحيين أم المسلمين، ونحن، على رأيهم، في مكان غير صحيح لا يحقّ لنا وهو مُلكهم فقط. وموقف معظم اليهود  العلمانيين مشابه، كما قال يومًا المرشد الروحاني السابق والراحل للجيش الاسرائيلي شلومو غورن: "ليذهب نصرانيّوكم إلى الفاتيكان ومسلموكم إلى مكة! وإن أصرّت بقيّة منكم باقية على الاستمرار في العيش في قدسنا وأرضنا، فلأفرادها حقوق فرديّة مؤقّتة تنالونها لأنّكم وُلدتم هنا". وعلم أحد القسس الكاثوليك الموجودين في المناظرة التلفزيونيّة أنّ الحاخام غورن من مواليد بولندا، مثل البابا يوحنّا بولس الثاني. فاقترح القس على الحاخام: "بإمكان حضرتك الحصول على جواز سفر بولندي (فنفر كثير من اليهود المتديّنين لا يعترفون بإسرائيل ويرفضون جواز سفرها) وان تسافر الى الفاتيكان حيث قد ينتظرك رجل عظيم، من بولندا، متوشّح بالبياض"!

وسؤال آخر يطرح نفسه: إلى أيّ مدى يتضايق معشر اليهود المتطرّفين من السيّاح الأعاجم، والحجّاج المسيحييّن الذين يجلبون للاقتصاد العبري (والفلسطيني) ملايين الدولارات؟  ليقدروا أن يرفضوا ذلك الحجّ ويمنعوا تلك السياحة، لو أتيح لهم ان يُهيمنوا على الحكومة، مضحّين بالمال الذي يعبده بعضهم؟

أساس العداوة اليهوديّة نحو المسيح ابن مريم والمسيحيّة

ما نشأت هذه الخصومة بعد سنة ١٩٤٨ ولا ١٩٦٧ بل منذ سنة ٢٨ للميلاد. رفضت "أرستقراطيّة الهيكل" يسوع الناصري ابن العذراء مريم مسيحًا ومخلّصًا، وقد خابت فيه آمالها بسيطرة يهوديّة عالميّة على المعمور، وسحق عسكريّ للمحتلّ الروماني، ونبذه لأكاذيب السياسة وألاعيبها، وإحجامه عن إرضاء ذكوريّتها وعدوانيّتها وشهوانيّتها وجشعها. وهنا، يلحظ المرء أمرًا غريبًا في الموقف العبري المتطرّف: يفخر التلمود البابلي ("سنهدرين" أي المحفل ٤٣ فقرة الف) أنّ اليهود نالوا الحكم بالإعدام على "ييشو" تعليقًا (أي صلبًا) لأنّه – حسب ادّعائهم الباطل- "كان يغوي اسرايل بالسحر"! لذا، منطقيًّا كان المفروض ان يفتخر اليهود بالصليب -لا أن يبصقوا- عفوًا، عندما يرونه، بما أنّهم عن طريقه، حسب رأيهم، انتصروا على مشعوذ، والعياذ بالله. ولكن يغلب التعصّب على القليل المتبقّي من المنطق، إذ يرفض معشر اليهود المتديّنين كلّ الرموز غير اليهوديّة، ولا سيّما المسيحيّة، ويسعون إلى طمسها أو محوها، حتّى في العالم مسيحيّ الجذور والحضارة.

العداوة التلموديّة الربابينيّة نحو "الأمم" ترجع إلى ما قبل الميلاد بقرون. نحن غير اليهود "مساخيط" بالمعنى الأصلي، أي موضع سخط، مصيرهم الذلّ في الدنيا والشقاء المؤبّد في الآخرة، لا حسب العهد القديم بل حسب الكتابات الربابينيّة ولا سيّما التلمود. ويكفي أن يذكر المرء الإعلانات السلبيّة خصوصًا في "سنهدرين" و"عابوداه زاراه" أي "عبادة الأصنام" و"نيداه" تكتب باختصار مفيد، وإليكم ما معناه: "الجوييم" أي غير اليهود، ليسوا بشرًا، وتمّ خلقهم (لا سمح الله) فقط لخدمة اليهود، وإناثهم نجسات منذ مولدهنّ، "أمّا أفضل الجوييم فيجب قتله".. وبما أن لا دستور لاسرائيل، فالتلمود دستورها، بشكل مباشر أو غير مباشر.

لذا، موقف التكهرب من "الجوييم"، والاشمئزاز منهم هو تخلّف، بما أنّه يرقى إلى القرن الرابع قبل الميلاد تقريبًا، وقد شعر العبرانيّون بالكراهيّة والاحتقار والنقمة نحو شعوب كثيرة، تعقّد منها معشر اليهود، لأسباب او ذرائع عديدة يعرفها التاريخ ومن تلك الشعوب: الكنعانيّون وفلسطيّو الساحل (وهولاء من أجدادنا) وأقوام الموآبيين والعمونيين والفرعونيين والبابليين والاشوريين...

محاولات كثيرة لتصحيح أفكار تلموديّة وتحديثها

حصلت مبادرات كثيرة من الفاتيكان والبطريركيّات والأسقفيّات في القدس وسواها لرفع نير التلمود عن الأعناق ولتحسين المناهج العبريّة، بعد أن كشفت الدراسات أمرًا غير غريب، وهو أنّ المناهج العبريّة أكثر المناهج المدرسيّة تحريضًا واستهانة، ومن شابه تلموده ما ظلم. وسمع المرء وعودًا طنّانة ومواعيد عرقوب. ويستهجن تلك المناهج - ناهيكم عن ال" يشيڨوت" وهي كتاتيب تلموديّة مُحكمة الاغلاق - يستهجنها اليهود المعتدلون والعلمانيّون. ولكنهم لا يستطيعون بسهولة تغييرها أو تبديلها، لأنّ الحكومات العبريّة،  ولا سيّما اليمينيّة، تغازل المتطرّفين، وتعيش جزئيًّا من تبرّعات متديّني اليهود في العالم، وهي تدغدغ مشاعرهم الدينيّة ومفاخرهم القوميّة.

المضايقات لا تزيدنا إلاّ إصرارًا وتشبّثًا وصمودًا

أيا سيادة المطران، نعم، تزيد بَعضنا صمودًا، ولكن كثيرين من مسيحيينا الفلسطينيين هربوا "من دون هذه الواسطة" وكان بعضهم ميسور الحال، وما تعرّض لأية مضايقات مباشرة، بل أعماه الطمع المادّيّ في بلاد المهجر، وأكلته الغيرة من المهاجرين. يا ليت شعبنا المسيحي كلّه يصمد ولا يزيد الاّ على البقاء إصرارا!

خاتمة

ولا يريد المرء هنا أن يتخطّى صلاحيّاته، ولا أن يتفلسف على رجال الدين الأرثوذكس العرب الذين لا حيلة لهم، وهم على أمرهم مغلوبون. وإن احتجّ أحدهم تمّ قطع معاشه، مع أنّ المعاشات منقطعة منذ أشهر، على ما يبدو، "من غير هذه الواسطة" ولكن، هل يمكن اللجوء إلى بطريرك القسطنطينيّة، الذي ليس له من "المسكونيّة" إلاّ الاسم؟ لو كانت في الأرثوذكسيّة البيزنطيّة هرميّة الكنيسة الكاثوليكيّة لحصل الحلّ، ووقف التجاوز، وعزل المتجاوزين مهما علت مراتبهم، ولكن هيهات.

والقول الأخير: ليعمل كلّ منّا على صموده الفرديّ، على رأي الحاخام غورن. ولنذكرنّ دومًا ما يذكّرنا به المسؤولون الدينيّون عنّا، والمدنيّون الفلسطينيّون، اننا شعب واحد، مسلمين ومسيحيين، في خندق واحد، نصمد للمحافظة على مقدّساتنا وهويّتنا وأرضنا التي هي رصيدنا، والكنز الديني الوطني، قبل أن تكون قبلة أنظار العالم المؤمن والمتمدّن.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء