الاختلاء والراحة مع يسوع المسيح

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

الاختلاء والراحة مع يسوع المسيح

الأ‌ب د. لويس حزبون
2018/07/21

يطلق انجيل مرقس على التلاميذ اسم "الرسل"(مرقس 6: 30). وقد أكملوا رسالتهم وهم الآن يقدمون تقريرهم للسيد المسيح فيأخذهم منفردين ليستريحوا (مرقس6: 31) قبل اجراء معجزة الخبز والسمك الأولى (مرقس 6: 35- 44). وهذه الأفكار هي عزيزة على قلب مرقس الإنجيلي؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع النص الإنجيلي (مرقس 6: 30-34)

30 واجتَمَعَ الرُّسُلُ عِندَ يسوع، وأَخبَروه بِجَميعِ ما عَمِلوا وعلَّموا.

تشير عبارة "اجتَمَعَ" الى عودة الرسل من الجليل حيث ارسلهم يسوع للتبشير؛ أمَّا عبارة "الرُّسُلُ" فتشير الى الاثني عشر رسولا بصفتهم مرسلي يسوع، وانجيل مرقس لا يستخدم كلمة " الرسل" إلا مرة واحدة. وكلمة رسول تعني "المرسل" او المبعوث" واصبحت الكلمة لقباً رسمياً لتلاميذ يسوع الاثني عشر بعد موته وقيامته (اعمال الرسل 2: 14). أمَّا عبارة "عِندَ يسوع" فتشير الى إعادة الرسل النظر في أعمالهم وتعليمهم ومهمتهم مع يسوع ليجدوا معنى لحياتهم، بحيث لم يعد معنى عملهم وتعليمهم مهما بلغا من روعة ونجاح بدون العلاقة مع يسوع. لأنّه هو المعلم والسيّد والراعي الذي منحهم نعمة. فهم بحاجة اليه كي يحفظهم من الضلال (مزمور 23) ويعاينوا الله في حياة الناس. فحاجة الانسان الى المسيح هو مقياس الحياة، والانتماء الى المسيح هو سرّ الحياة؛ أمَّا عبارة "وأَخبَروه بِجَميعِ ما عَمِلوا وعلَّموا" فتشير الى الرسل الذين يقدِّمون ليسوع عرضا عن مهمتهم وتقريراً عمّا علّموا وعملوا. يجمل الرسل رسالتهم في وجهتين هما: العمل والتعليم. يرتبط يسوع والرسل كعمَّال في عمل واحد وهو عمل يسوع. الرسول هو من يجدّ ويعمل، لا من يرى أمورا كثيرة ولا يعمل شيئاً. يكشف مرقس مدى التزام الرسل مع يسوع وتضامن يسوع معهم. إذ اختارهم من البدء ليكونوا معه. يحسن بنا نحن أيضا ان نتدارس من خلال اجتماعاتنا وتبادل الآراء اعمالنا ومشاريعنا وامور الساعة على ضوء الايمان، لنفهمها جيداً ونعمل على تحسين نشاطاتنا الرسولية القادمة.

31 فقالَ لهم: تَعالَوا أَنتم إِلى مَكانٍ قَفرٍ تَعتَزِلونَ فيه، واستَريحوا قَليلاً. لأَنَّ القادِمينَ والذَّاهِبينَ كانوا كَثيرينَ حَتَّى لم تَكُنْ لَهم فُرصَةٌ لِتَناوُلِ الطَّعام.

تشير عبارة "مَكانٍ قَفرٍ" الى أرض غير صالحة للفلاحة والزراعة (مزمور 107: 35 وأشعيا 14: 17) وهنا تدل على الجهة الشمالية الشرقية لبحيرة طبرية في منطقة الطابغة حيث قام يسوع بتكثير الخبز والسمكتين. أمَّا في انجيل لوقا يبدو هذا الموضع كان في ارض بيت صيدا شرقي بحيرة طبرية (لوقا 9: 10) وتُعرف هذه الأرض باسم " سهل البطيحة". أمَّا عبارة "تَعتَزِلونَ" باليونانية κατ' ἰδίαν (معناها على انفراد) الى علاقة حميمة وشخصية بين يسوع وتلاميذه أذ تتيح مجال الصداقة والاستماع والمشاركة والمعرفة المتبادلة، وتتكرر هذه العبارة في وحي يسوع نفسه لتلاميذه في أنجيل مرقس: عندما انفَرَدَ يسوع بِتَلاميذِه فسَّرَ لَهم الامثال" ( 4: 34) ، عندما " مضى يسوعُ بِبُطرُسَ ويعقوبَ ويوحَنَّا فانفَرَدَ بِهِم وَحدَهم على جَبَلٍ عالٍ، وتَجَلَّى بِمَرأَى منهم" (مرقس 9: 2)، عندما يكون لدى تلاميذه أسئلة صعبة ولا يريدون الاحراج " ولمَّا دَخَلَ البَيت، اِنفَرَدَ بِه تَلاميذُه وسأَلوه: ((لماذا لَم نَستَطِعْ نَحنُ أَن نَطرُدَه ؟" (مرقس 9: 28) " وبَينَما هو جالِسٌ في جَبَلِ الزَّيتونِ قُبالَةَ الهَيكَل، اِنفَرَدَ بِه بُطرُسُ ويَعقوبُ ويوحَنَّا وأَندَراوس وسأَلوه (مرقس 13: 3) (مرقس 13: 3). أمَّا عبارة "استَريحوا قَليلاً" فتشير الى الراحة مع المسيح بعد جولاتهم التبشيرية. ان القيام بعمل الله بفاعلية، يقتضي فترات من الراحة والاستجمام لاسترجاع القوى لانطلاقة جديدة في رسالة مقبلة (لوقا 9: 10). إن الجسد له حق في الراحة، والروح له حق في التجدَّد بالطاقة والنعمة. فالخطر الذي نقع فيه جميعاً يكمن في أن أشغالنا الكثيرة التي تنسينا أنفسنا لا بل تستهلكنا وترهق طاقتنا الجسدية والروحية. فمن المحبَّذ ان تمتزج حياة الخدمة بالتأمل بغير انقطاع. أمَّا عبارة " لأَنَّ القادِمينَ والذَّاهِبينَ كانوا كَثيرينَ" فتشير الى الجموع المحيطة بيسوع بعضهم من المشاهدين لآياته، " فتَبِعَه جَمعٌ كثير، لِما رَأوا مِنَ الآياتِ الَّتي أَجْراها على المَرْضى."(يوحنا 6: 1) ، وبعضهم من المحتاجين اليه، للاستماع اليه " لأَنَّه كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن له سُلْطان، لا مِثلَ الكَتَبَة" (مرقس 1: 22) او للاستماع الى كلمته وطلب الشفاء كما جاء في انجيل لوقا " لكِنَّ الجُموعَ عَلِموا بِالأَمْرِ فتَبِعوه، فاستَقبَلَهم وكَلَّمَهُم على مَلَكوتِ الله، وأَبرأَ الَّذينَ يَحتاجون إِلى الشِّفا" (لوقا 9: 11)؛ أو وبعضهم جاءوا لمصلحة في نفوسهم كما صرّح لهم يسوع " أَنتُم تَطلُبونَني، لا لِأَنَّكم رَأَيتُمُ الآيات: بلِ لِأَنَّكم أَكَلتُمُ الخُبزَ وشَبِعتُم" (يوحنا 6: 26) وبعضهم أخيرا من المراقبين إياه مثل الكتبة والفريسيين "بَلَغَ حِقْدُ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّينَ عَليهِ مَبلغاً شَديداً، فجعَلوا يَستَدرِجونَه إلى الكَلامِ على أُمورٍ كَثيرة" (لوقا 11: 53). فنحن من اية فئة عندما نأتي الى يسوع؟

32 فمَضَوا في السَّفينَةِ إِلى مَكانٍ قَفرٍ يَعتَزِلونَ فيه

تشير عبارة " مَكانٍ قَفرٍ " الى مكان منعزل يجد فيه يسوع والتلاميذ الاختلاء والراحة، والثقة والمشاركة. يذهب المرء إلى هناك ليفتح نفسه أمام العطش والجوع نحو الله والآخرين وتعمق في العلاقة مع الله.

33 فرآهُمُ النَّاسُ ذاهبين، وعَرَفَهُم كثيرٌ مِنهُم، فأَسرَعوا سَيراً على الأَقدامِ مِن جَميعِ المُدُن وسبَقوهم إِلى ذلك المَكان.

تشير عبارة "فأَسرَعوا سَيراً على الأَقدامِ مِن جَميعِ المُدُن" الى عدم إمكانية التهرب من الناس. لا يقدر يسوع ورسله ان يعتزلوا الجمع، وذلك بسبب العطش لغذاء الروح والجسد الذي يدفعهم للبحث عنه والسير اليه (يوحنا 6: 26). أمَّا عبارة "سبَقوهم إِلى ذلك المَكان" فتشير إلى امر غير معقول ان يسبق الناس الذين جاؤوا سيرا على الاقدام يسوع ورسله الذين ركبوا السفينة. نحن امام لوحة فنية رسمها مرقس بوحي من الروح القدس. ولا يجوز ان نتوقف عند التفاصيل فقط.

34 فلَمَّا نَزَلَ إِلى البَرّ رأَى جَمعاً كثيراً، فَأَخذَتْه الشَّفَقَةُ علَيهم، لِأَنَّهم كانوا كَغَنَمٍ لا راعِيَ لها، وأَخَذَ يُعَلَّمُهم أَشياءَ كثيرة"

تشير عبارة " فَأَخذَتْه الشَّفَقَةُ ُ" ἐσπλαγχνίσθη الى تحرك احشاء يسوع بدافع حبه الشديد (متى 6: 34). وهذا يدل على حنان يسوع ورحمته، لأنه كان يهتم بالشعب الذي كان كغنم لا راعي لها، ولهم عطشٍ إلى ما لا يملكون، وتوقٍ إلى بلوغ السلام الحقيقي. هذه الشفقة تعكس قلب الرب ذاته في صورة فائقة من الرقة (ارميا 23: 1-4)، ويُظهر موقف يسوع حنان الله، إنه يشعر بالحنان تجاه الخراف الجائعة للإنجيل (مرقس 6: 34)، جوعها للخبز (8: 2)، وتأخذه الشفقة تجاه المحرومين أكثر من غيرهم: البرص (مرقس 1: 4)، والعميان (متى 20: 34)، والأمهات الثكالى والأخوات الحزينات (لوقا 7: 13، يوحنا 11: 33). إن حنان يسوع، مثل حنان الله، لا يتعب ولا يكلّ، وينتصر على الخطيئة، ويصل إلى حد الصفح عن أكثر الناس بؤساً: أعني الخطأة (لوقا 23: 34). فهو يتصرف كالراعي الصالح (حزقيال 34: 23)، على مثال موسى (عدد 27: 15-17) وداود (مزمور 78: 70) بل على مثال الله نفسه الذي اقتاد شعبه في البرية (مزمور 78: 52-53). هذه الشفقة تعكس قلب الرب ذاته في صورة فائقة من الرقة والحنان (ارميا 23: 1-4). كما تدلّ على شفقته في تعليم الشعب واعطاهم الخبز والسمك. (مرقس 6: 35- 44). أمَّا عبارة " لِأَنَّهم كانوا كَغَنَمٍ لا راعِيَ لها" فتشير الى صورة مألوفة في الكتاب المقدس، تُندد بعدم مبالاة الرؤساء المسؤولين (متى 9: 36) والافتقار الى قيادة جيدة حيثأ أنّ الخراف بدون راعيها تضلّ الطريق، كما أنها معرّضة للأخطار. فهي لا تستطيع أن تحمي نفسها من اللصوص أو من الوحوش الضارية. ويعلق الطوباويّ اللاهوتي يوحنّا هنري نِيومَن " إنّه لمشهد محزن: يرزح شعب الله على التلال "مِثْلَ خِرَافٍ لا رَاعِيَ لَهَا". بدى من بحث في الأماكن التي طالما تردّد إليها الربّ وفي المسكن الذي أسّسه، فإنّه يهتمّ بالمسائل البشريّة، ويتبع مُرشدين غرباء ويسمح لآراء جديدة بأن تسيطر عليه، ويصبح لعبة الصدفة أو مزاج اللحظة وضحيّة الإرادة الشخصيّة". أمَّا عبارة " َغَنَمٍ " فتشير الى إحدى الحيوانات الأليفة التي دجنها الإنسان منذ أقدم العصور، بل إنها أول حيوان داجن ذكره الكتاب (تكوين 4: 4) وكانت الأغنام عماد الحياة البشرية، ولا تزال حتى اليوم لما فيها من خيرات للإنسان، بلحمها وصوفها وجلدها ولبنها، ولقلة تكاليفها، ولوفرة الماء والعشب في مناطق كثيرة من الشرق، (تثنية الاشتراع 32: 14). وضرب الكتاب المقدس المثل بالخراف بعدد من صفاتها التي تتميز بها: من أنها لا تعرف صوت الغريب لذلك لا تأمن له (يوحنا 10: 5)، وتشتتها عندما لا يكون لها راع (2 أخبار 18: 16)، وضلالها عند شرودها (مزمور 119: 176)، ووداعتها وأمنها مع أعدائها (اشعيا 11: 6)، واستهدافها لأخطار الحيوانات الضارية (ميخا 5: 8). أمَّا عبارة " راعِيَ " فتشير الى قائد ورفيق، ورجل قويّ قادر على أن يدافع عن قطيعه ضد الحيوانات الضارية (متى 1: 16). وهو أيضاً الرجل الذي يعامل خرافه برقَّة، ويعرف وجوهها (أمثال 27: 23)، ويتكيف وفق حالها (تكوين 33: 13- 14)، ويحملها على ذراعيه (اشعيا 40: 11، ويعزّ الواحدة والأخرى "كابنته" (2 صموئيل 12: 3). وكانت كلمة راعي تستعمل في العهد القديم رمزاً لله وللمسيح ابنه (مزمور 80: 1)، الذي هو الملك السماوي، أو رمزاً لملوك الأرض (حزقيال 34: 10). اعتبر المسيح راعي الخراف الذي يعنى برعيته، أي البشر (يوحنا 10: 11)، و"الفرح التامّ" (يوحنا 15: 11) "والنَعيم على الدَّوام" (مزمور 16: 11). " وراعي نُفوسِنا وحارِسِها" (1 بطرس 2: 25). أمَّا عبارة " وأَخَذَ يُعَلَّمُهم أَشياءَ كثيرة" فتشير الى اهتمام يسوع بحاجات الناس المادية والروحية من تعليم. اما متى الإنجيلي فيشدد على شفى المرضى في الجمع (متى 14: 14). فيسوع شفى وعلم. نرى هنا استعداد يسوع التام بالتضحية بالوقت والجهد والطاقة والراحة في سبيل خدمة الناس المحتاجين تمشيا مع مبدأه " لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس". فهل نحن نرحّب بمن يأتيني بحاجة، أثناء وقت راحتنا أو خلوتنا، بسعة صدر وبكلّ ترحيب وشفقة؟

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 6: 30-34)

بعد دراسة وقائع النص الانجيلي (مرقس 6: 30-34) يمكننا ان نستنتج انه يتمحور حول النقاط العملية وهي: العزلة الروحية والراحة والشفقة.

1) العزلة الروحية او الاختلاء

يدعو يسوع رسله الى العزلة "تَعالَوا أَنتم إِلى مَكانٍ قَفرٍ تَعتَزِلونَ فيه" (مرقس 6: 31). لكن العزلة في حد ذاتها شر يأتي من الخطيئة، "لا يَجبُ أَن يَكونَ الإِنسانُ وَحدَه" (تكوين 2: 18) ويريد الله أن يكون الخاطئ معزولاَ في وحْدة (أيوب 19: 13- 22). ومع ذلك يمكن أن تصبح العزلة مصدر مشاركة إذا اتّحدنا بعزلة يسوع المسيح مثل عزلة الرسل مع يسوع (مرقس 6: 31-32). ولقد جادَ الله بِابنِه الوَحيد للعالم (يوحنا 3: 16) لكي يجد الناس من خلال يسوع (عمانوئيل) " الله معنا" (اشعيا 7: 14) الشركة مع الله والتخلص من عزلة الخطيئة.
فقد دعا يسوع تلاميذه "أن يكونوا معه "(مرقس 3: 14). إذ جاء يطلب الخروف الضال وهو في عزلته (لوقا 15: 4) وجاء لينتزع عزلة الخطأة مثل المرأة السامرية (يوحنا 4: 27،) والزانية (يوحنا 8: 9). وبعبارة اخرى علينا ان نعتزل وحدنا مع يسوع المسيح حتى نعيش الشركة مع الله ومع الجميع ونتخلص من عزلة الخطيئة.
وكما اجتَمَعَ الرُّسُلُ عِندَ يسوع (مرقس 6: 30) كذلك نحن بحاجة الى الاجتماع حول مائدة الرب يوم الاحد بعد اداء واجباتنا في بحر الاسبوع؛ وذلك لنتمكن من إعادة النظر في حياتنا الروحية والرسولية. كما يتوجب علينا كل مساء ان نجتمع عند يسوع كي نُطلعه على جميع ما عملناه طيلة اليوم لكي نصحح عملنا بموجب ارادته القدوسة ونطور عملنا. لنترك اهتماماتنا العالمية ونختلى بالربّ " ادخُلْ حُجْرَتَكَ وأَغْلِقْ علَيكَ بابَها" (متى 6: 6) فيملك على قلوبنا لأنه مصدر قوتنا. إن أعادة النظر في حياتنا مع يسوع لهي من انواع الاختلاء الروحي او العزلة الروحية.

2) الراحة

لم يدعو يسوع تلاميذه فقط للعزلة الروحية بل أيضا للراحة "استَريحوا قَليلاً" (مرقس 6: 31). تتنقل حياة الإنسان بين العمل والراحة. منذ البدء كرّس الله يوم السبت للراحة كأحد الوصايا العشر "ُأذكُرْ يَومَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَه. واليَومُ السَّابِعُ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ " (خروج 20: 8). وهناك سببان للراحة. فالراحة علامة الحرية كما انها اشتراك في راحة الخالق. ومن هذا المنطلق، فان السبب الاول للراحة أنها رمز للتحرر اذ لا بدَّ لبني إسرائيل أن يتذكروا أنهم أعتقوا من نير الأعمال الشاقة في مصر (تثنية 5: 15).

اما السبب الآخر للراحة فهو إن الإنسان الذي يحافظ على السبت يقتدي بالله، الذي بعد أن خلق السماوات والأرض، استراح واستعاد أنفاسه في اليوم السابع. "واَستَراحَ الله في اليَومِ السَّابِعِ من كُلِّ عَمَلِه الَّذي عَمِلَه" (تكوين 2: 2- 3). وإن كان السبت يقدَس، فلأن الله يقدسه كما جاء في كلام الله "أَعطَيتُهم سُبوتي لِتَكونَ عَلامةً بَيني وبَينَهم، لِيَعلَموا أَنِّي أَنا الرَّبّ مُقَدِّسُهم" (حزقيال 20: 12). فالراحة "علامة للتوحيد بين الله ومؤمنيه" فهي تظهر أن المؤمن هو صورة الله: وهذا لا يعني فقط أنه حرٌ. بل أني ابن الله.

والسبت لا يعني أن تتوقف عن العمل وحسب، بل أن يُكرّس المؤمن قواه للاحتفال في فرح بالخالق وبالفادي. ويمكن أن نسمي السبت "نعيماً"، لأن من يحترمه يتَنَعَّمُ بِالرَّبّ" (اشعيا 58: 13- 14). هذا بالإضافة إلى فائدة الراحة على مستوى الطبيعة انه ينبغي ان ترتاح الحيوانات والعمال (تكوين 23: 122). ان دعوة يسوع رسله للراحة بعد رسالتهم الشاقة، بمثابة دعوة لنا ايضا للراحة لنحصل على التوازن تجاه التوترات وتعب النهار وحره. الراحة الذي يدعو اليها يسوع هي راحة للجسد، وقوّة للروح.

ونجد المعنى الحقيقي للسبت في بشارة يسوع المسيح: "إِن السَّبتَ جُعِلَ لِلإِنسان، وما جُعِلَ الإِنسانُ لِلسَّبت. فَابنُ الإِنسانِ سَيِّدُ السَّبتِ أَيضاً " (مرقس 2: 27)، لأنه يحقق ما كان السبت رمزاً له. السبت في نظر يسوع هو يوم الخلاص المثالي كما صرّح للمرأة المنحنية الظهر في السبت "وهذِه ابنَةُ إِبراهيمَ قد رَبطَها الشَّيطانُ مُنذُ ثَمانيَ عَشرَةَ سَنَة، أَفما كانَ يَجِبُ أَن تُحَلَّ مِن هذا الرِّباطِ يَومَ السَّبْت؟ " (لوقا 13: 16). بل ان يسوع هو راحة النفس، لأنه يَعرض الراحة للنفوس التي تأتي اليه "تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم"(متى 11: 28). ان يسوع يقدّم الراحة الداخلية. فالسير في طريقه الصالح معناه "إيجاد الراحة" كما يقول ارميا النبي "ما هو الطَّريقُ الصَّالِحُ وسيروا فيه فتَجِدوا راحةً لِنُفوسِكم" (ارميا 6: 16)، ويعلق القدّيس غريغوريوس النيصيّ " اجعلني أعرف مياه راحتك، قُدني إلى العشب الدَّسِم، نادني باسمي، لأسمع صوتك، أنا خروفك، وليكن صوتك لي الحياة الأبديّة".

3) الشفقة او الرحمة

"ويشدد انجيل اليوم أيضا على الشفقة. رأَى يسوع جَمعاً كثيراً، فَأَخذَتْه الشَّفَقَةُ علَيهم" (مرقس 6: 34). في الكتاب المقدس لا فرق بين الشفقة والرحمة. وتضم "الرحمة" على معنيين مترابطين: الشفقة والأمانة. تعبّر الشفقة بالعبرية (רחמים راحاميم) عن الارتباط الغريزي الكائن بكائن آخر. ويتمركز هذا الاحساس بحسب العقلية السامية في بطن الأم (رحيم) רַחֲמֶיהָ (1 ملوك 3: 26). وهو الحنان الذي يظهر تلقائياً في التصرف من إبداء الشفقة بمناسبة حادث أليم (مزمور 106: 45). أمَّا اللفظة العبرية الثانية (חֶסֶד) فتترجم في اليونانية (έλεος)؛ وتعني الرحمة وتشير هنا إلى التقوى أي العلاقة الروحية التي تربط كائنين معاً، وتتضمن الأمانة نحو الذات.

أمَّا مصدر الرحمة فهو الله كما ورد في الكتاب المقدس " الرَّبُّ إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء، يَحفَظُ الَرَّحمةَ لأُلوَف الرب" (خروج 34: 6- 7). ولا يتوقف مرنّم المزامير من أن يُطلق تسابيح الشكر " إِحمَدوا الرَّبّ لأَنَّه صالِح لانَّ للأبدِ رَحمَتَه " (مزمور 107: 1) وهكذا تدوّي، بلا انقطاع، صرخة صاحب المزامير: " إِرحَمْني يا أَللهُ بِحَسَبِ رَحمَتِكَ وبِكَثرَةِ رأفَتِكَ اَمْحُ مَعاصِيَّ"(مزمور 51: 1).

وظهرت الرحمة الإلهية على الأرض بصورة خاصة في ملامح المسيح يسوع، "عَظيمَ كَهَنَةٍ رَحيمً" (عبرانيين 2: 17). أراد يسوع أن يُشبه إخوته في كل شيء، لكي يختبر شقاء هؤلاء الذين جاء لينقذهم. لذا اتّسمت كل تصرفاته بالرحمة الإلهية، فكان الفقراء هم المفضَّلون إلى قلبه الاقدس (لوقا 4: 18)، ويجد الخطأة فيه "صديقاً" لهم (لوقا 7: 34)، وهو، من ناحيته، لا يخشى معاشرتهم (لوقا 5: 27). وهذه الرحمة يُبديها يسوع بصفة عامة نحو الجموع (متى 9: 36)، فنراه تارةً يصنع رحمة نحو أرملة نائين (لوقا 7: 13)، وتارةً نحو هذا الأب المفجوع في ابنته (لوقا 8: 42). وأخيراً، يعامل يسوع المرأة والغريب معاملة الرحمة. وإن كان يسوع قد أشفق هكذا على الجميع، فلا عجب إن كان البائسون يقصدونه كأنهم يقصدون الله نفسه، صارخين اليه "رحماك سيدي " كيريا اليسون" Ἐλέησόν με, κύριε (متى 15: 22).

ولا عجب أيضا ان يوصي المسيح تلاميذه بالرحمة: "كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم" (لوقا 6: 36). فالرحمة شرط أساسي لدخول ملكوت السماوات "طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون"(متى 5: 7). هذه الرحمة يجب أن تجعلنا، أسوة بالسامري الصالح (لوقا 10: 30- 37)، قريبين من الشخص البائس الذي تجمعنا به الصدف، ورحيمينً بمن يكون قد أساء إليّنا (متى 18: 23- 35)، لأن الله قد منحنا رحمته (متى 18: 32- 33). وندان بقدر الرحمة التي نكون أظهرناها لشخص يسوع ذاته في الآخرين: المرضى والمُسِنّين، والجياع والعطاش والاسرى والفُقراء بيننا "كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه "(متى 25: 31 - 46). اما الذين لا رحمة في قلوبهم فنصب الغضب الإلهي عليهم (رومة 1: 31).

وخلاصة القول، يجب على المسيحي أن يبدي المحبة و"العطف" (فيلبي 2: 1)، وأن يكون قلبه عامراً بالشفقة كما يوصي الرسول بولس "لِيَكُنْ بَعضُكم لِبَعضٍ مُلاطِفًا مُشفِقًا" (أفسس 4: 32). فلا يجوز له أن يغلق أحشاءه لأخ يقع في عوز، لأن محبة الله لا تستقر إلا فيمن يمارسون الرحمة كما يصرّح القديس يوحنا " مَن كانَت لَه خَيراتُ الدُّنْيا ورأَى بِأَخيهِ حاجَةً فأَغلَقَ أَحشاءَه دونَ أَخيه فكَيفَ تقيمُ فيه مَحبَّةُ الله؟ (1 يوحنا 3: 17).

الخلاصة

إن كان السيد المسيح هو الذي اختار تلاميذه ودعاهم ثم أرسلهم فإنه يليق بهم من حين إلى آخر أن يختلوا به يحدثونه بكل شيء يمس الخدمة ليكون هو القائد الحقيقي لهم في كل تصرفاتهم. لقد أخذهم معه على انفراد في موضع خلاء ليجدوا فيه راحتهم وطعامهم. هكذا تمتزج حياة الخدمة بالتأمل بغير انقطاع، كل منهما وتسند الأخرى. والعجيب أنه إذا انطلق بهم إلى موضع خلاء بحثت عنه الجموع وجرت وراءه. وكأنه قد مزج خلوة التلاميذ بالخدمة، لأن راحتهم الحقيقية هي في راحة النفوس المتعبة "تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم"(متى 11: 28).

دعاء

أيها الآب السماوي، نسألك باسم يسوع ابنك، راعي نفوسنا وحارسها، ان نعود إليه للاختلاء به في مساء كل يوم كي نجد الراحة والقوة والمعونة بحضوره فننطلق الى يومٍ جديدٍ في رسالة جديدة وكلنا ممتلئين بالإيمان والرجاء والمحبة مردِّدين مع صاحب المزامير " الرَّبُّ راعِيَّ فما مِن شيَءٍ يُعوِزني في مَراعٍ نَضيرةٍ يُريحُني. مِياهَ الرَّاحةِ يورِدُ في ويُنعِشُ نَفْسي" (مزمور 23: 1-2).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء