الاحد العشرون للسنة: يسوع الحي والافخارستيا

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

الاحد العشرون للسنة: يسوع الحي والافخارستيا

الأ‌ب د. لويس حزبون
2018/08/18

يتكلم انجيل يوحنا (يوحنا 6: 51- 58) عن سر الافخارستيا، سر الخبز والخمر، سر جسد يسوع ودمه، وما فيه من قدرة حياتية الذي من خلاله يعبّر المسيح عن رسالة حياته: بذل الذّات حتّى النهاية. والافخارستيا هي إحدى الاسرار السبعة المقدسة في الكنيسة ومحور العبادة المسيحية. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: تحليل وقائع نص انجيل يوحنا (يوحنا 6: 51- 58)

51 أنا الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم

تشير عبارة "أنا الخبزُ الحَيُّ" الى مُطابقةِ يسوع نفسِهِ، جسده ودمه، مع ذاك الخبز. هكذا أظهر الرّب يسوع نفسَه على أنه خبز الحياة المُعطى من الآب الأزلي للبشرية. وهذا الخبز الحي يُغذّينا بحياة الآب، الحياة الّتي لا تموت، بعكس المنّ الذي يُغذّي الحياة الأرضيّة الّتي تموت؛ فيسوع هو واهب الحياة الذي يبقى الى الابد وليس كالمن الذي يفنى. أمَّا عبارة "مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد" فتشير الى العشاء الفصحى وتقديس الخبز والخمر حيث يسوع "أَخَذَ خُبْزاً وشَكَرَ وكَسَرَه وناوَلَهُم إِيَّاهُ وقال: ((هذا هو جَسدي يُبذَلُ مِن أَجلِكُم. إِصنَعوا هذا لِذِكْري)) (لوقا 22: 19). ومعنى الأكل هنا الاشتراك في التناول. وفي هذا الصدد قال القدّيس كولومبانُس "إذا كنت جائعًا، كُل خبز الحياة. طوبى للذين يجوعون إلى هذا الخبز ويعطشون إلى هذا الينبوع! ففيه قال داود الملك: "ذوقوا واْنظروا ما أَطيَبَ الرَّبَّ" (مزمور 34: 9) " (التّعليمات، 13). أمَّا عبارة "الخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا" فتشير الى التوحيد بين الخبز الذي يعطيه وجسده من خلال سر الافخارستيا كما ورد في تعليم بولس الرسول" شَكَرَ، ثُمَّ كَسَرَه وقال: ((هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم. اِصنَعوا هذا لِذِكْري " (1 قورنتس 11: 24). ويعلق القديس كيرلس "يعطي جسد المسيح حياة لكل من يشترك فيه، ويزيل الفساد، إذ أن (جسد الكلمة) ممتلئ بالكامل بالكلمة الذي يبيد الفساد". نلاحظ هنا يسوع يُصرِّح أنه يعطي جسده للموت ليكون للناس حياة أبدية. ولكن سابقا قال " أَبي يُعطيكُم خُبزَ السَّماءِ الحَقّ" (يوحنا 6: 32)، وهذا يدل على ان إرادة الآب والابن أن يحيا الجميع أبديا. أمَّا عبارة "هو جَسَدي" باليونانية σάρξ (معناها لحم ودم تقابل كلمة بشر في العربية) فتشير الى ما يكوّن واقع الانسان بكل إمكانياته وضعفه كما تدل على قيمة التجسد الخلاصية والمعنى الذبائحي وبالتالي على الافخارستيا (يوحنا 1: 14). أمَّا عبارة " أَبذِلُه لِيَحيا العالَم" فتشير الى عبارة تقليدية تعبّر عن البعد الفدائي الذي يمتاز به موت يسوع. بالصليب الذي يبذل يسوع عليه جسده، وهذه هي الطريقة نحيا بها من أكل جسده فنحيا. ويعلق القديس كيرلس الكبير "يموت يسوع لأجل الجميع، لكي يحيي الجميع بذاته. وقد صار جسده فدية لأجل الجميع". فالإفخارستيا هي نفسها ذبيحة المسيح، فهناك صلة بين يسوع، مصدر الحياة، وبين موته كما جاء في قوله "الرَّاعي الصَّالِحُ يَبذِلُ نَفْسَه في سَبيلِ الخِراف (يوحنا 10: 11)، لذلك يدور الكلام على الخبز الذي يعطيه. إن أكْل خبز الحياة يتم بتناول جسد الرب ودمه، وهذا يقتضي الإيمان بموت يسوع وقيامته، وتكريس ذواتنا بموجب شريعة الانجيل.

52 فخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضاً وقالوا: كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه؟

تشير عبارة " فخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضاً " الى النزاع والجدال بين اليهود فيما بينهم، حيث ان البعض منهم فهم كلام يسوع على المستوى الروحي. والبعض رفضه لأنه فكر بأسلوب جسدي. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم " أنه ما كان يليق باليهود أن يتساءلوا هكذا بعد أن رأوا معجزة تكثير الخبز والسمك". وللأسف هذه الخصومة مازالت حتى اليوم بين الكنائس التقليدية والكنائس البروتستانتية. فيقولون نفس الكلام! هل يمكن أن يتحوَّل الخبز لجسد، والخمر لدم، إنما يقول البعض إنه رمز فقط. أمَّا عبارة "كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه" فتشير الى الشريعة التي تحرم شرب الدم كما كلم الرب موسى "أَنقَلِبُ على آكِلِ الدَّمِ وأَفصِلُه مِن وَسْطِ شَعْبِه. لأَنَّ نَفْسَ الجَسَدِ هي في الدَّم، وأَنا جَعَلتُه لَكم على المَذبَحِ لِيُكَفَّرَ بِه عن نُفوسِكُم، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عنِ النَّفْس" (الاحبار 17: 10- 11). وذبيحة المسيح تختلف عن باقي الذبائح إذ أنه يعطينا حياته التي في دمه لتقديسنا (عبرانيّين 13:9-14)، ومن هذا المنطلق أخطأ اليهود كما أخطأ نيقوديمس إذ قال: "كَيفَ يُمكِنُ الإِنسانَ أَن يُولَدَ وهوَ شَيخٌ كَبير؟ أَيَستَطيعُ أَن يَعودَ إِلى بَطنِ أُمِّهِ ويُولَد؟" (يوحنا 3: 4) والمرأة السامرية (يوحنا 4: 11) وجهلوا معنى كلام يسوع الروحي. يندهش القديس كيرلس الكبير من اليهود الذين آمنوا أنه بأكل لحم خروف الفصح ونضح دمه على الأبواب يهرب الموت منهم، ويُحسبوا مقدسين، ولن يعبر بهم المهلك، فكيف لا يؤمنون بأن تناول جسد حمل الله ودمه يهبهم الحياة الأبدية". وبناء على ما تقدم يكون فإن سبب مخاصمة اليهود قائم في عدم الايمان كما يقول اشعيا "إن كنتم لا تؤمنون فلن تفهموا"(اشعيا 7: 9). وقد استخدم بولس الرسول تعبير الجسد والدم في حديثه عن التناول "أَنَّ الرَّبَّ يسوع في اللَّيلَةِ الَّتي أسلِمَ فيها أخَذَ خُبْزًا وشَكَرَ، ثُمَّ كَسَرَه وقال: هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم. اِصنَعوا هذا لِذِكْري. وصَنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكَأسِ بَعدَ العَشاءِ وقال: هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي. كُلُّمَا شَرِبتُم فاصنَعوه لِذِكْري" (1 قورنتس 11: 23- 26). وفي هذا الصدد قال القديس هيلاريون، أسقف بواتييه: "بخصوص صدق الجسد والدم لا يوجد أي مجال للشك. فإنه حيث أنه حسب ايماننا ان الرب نفسه هو جسد حقيقي ودم حقيقي، حيث ان القربان الذي نأكله والخمر الذي نشربه يدخل في أحشائنا بهدف ان نكون في المسيح والمسيح فينا". من الصواب أن يتأصل الإيمان فينا أولًا، ثم يأتي بعد ذلك الفهم للأمور التي نجهلها.

53 فقالَ لَهم يسوع: ((الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه فلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياة

تشير عبارة "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم" الى أهمية وتأكيد تصريح السيد المسيح أنه حق ثابت لا يتخلف. أمَّا عبارة "دَمَه" فتشير الى الدم المسفوك المرتبط بالحياة المبذولة. وهي تدل على فكرة يسوع على الصليب وعلى الموت الذي يهب الحياة. إذ في العشاء الأخير، قدّم يسوع كأس الإفخارستيا، كدم العهد المراق من أجل جماعة كثيرة لغفران الخطايا (متى 26: 28). فإنّ جسدَه المقدَّم ودمه المسفوك يجعلان من موته ذبيحة ذات مغزى مزدوج: ذبيحة عهد" تُقيم العهد الجديد بدلاً من عهد سيناء، وذبيحة تكفير" تبعاً لنبوة اشعيا عن عبد الرب، ويصبح هكذا الدم المسفوك ظلماً دم الفداء. أمَّا عبارة "إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه" فتشير الى تناول جسد الرب وشرب دمه ليس مجرد أمر ممكن بقدر ما هو شرط بدونه ليس ممكناّ الحصول على الحياة وذلك رد اً على سؤال اليهود " كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه". فاكل جسد المسيح وشرب دمه الاقدس إشارة للصلب الذي فيه ينفصل دمه عن جسده، أي بتقديم المسيح نفسه كذبيحة. وسر الإفخارستيا الذي نأكل فيه الجسد ونشرب الدم هو امتداد لذبيحة الصليب. لو لم يلمح قط يسوع الى هذه السر، لما استطاع الرسل أن يفهموا عشية عشاء الرب ما كان يجريه معلمهم على مرأى منهم. ولأصبح سر الافخارستيا عشية خميس الاسرار غامضا لهم. أمَّا عبارة "ابنِ الإِنسانِ" فتشير الى يسوع المسيح نفسه، يأتي ابن الانسان من السماء ويعود الى السماء والذين يؤمنون به يشاركونه في سرِّه ويقاسمونه تلك الحياة السماوية التي فيه. وقد تكررت عبارة "ابنِ الإِنسانِ" في الأناجيل الأربعة ثمانية وسبعون مرة لأهميتها.

54 مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير.

يشير فعل "أكل " باليونانية τρώγω (معناها مضغ، قضم وكانت العادة الجارية عند اليهود بان يُحسنوا مضغ أطعمة عشاء الفصح خاصة خروف الفصح) الى مفرد حسي يدل الى الأكل الدائم الذي يستعمله يوحنا الإنجيلي لوصف الاشتراك في الافخارستيا. ويتكرر هذا الفعل أربع مرات في هذا الفصل (يوحنا 6: 54، 56، 57، 58)، يربط هذا الفعل كلمة يسوع عن الخبز بذبيحته على الصليب، في سياق العشاء الأخير (يوحنا 13، 18)، لأنه هناك، على الصليب، سوف يتمّ تقديم جسده ذبيحة، وبهذه الطريقة فقط يمكن لهذا الجسد أن يصبح خبزا حقيقيا كي يحيا الجميع. نلاحظ هنا ان يوحنا الانجيلي يشدّد على واقعية جسد يسوع ضد البدعة الظاهرية القائلة ان يسوع لم يأخذ جسداً حقيقياً من مريم. أمَّا عبارة " جَسَدي " باليونانية σάρκα (وهي ترجمة الكلمة العبرانية בְּשָׂרִי) فتشير الى لحم الانسان (تكوين 6: 15) وهنا تدل على جسد المسيح في سر القربان المقدس والثبات فيه كما صرّح يسوع " اُثبُتوا فيَّ وأَنا أَثبُتُ فيكم. وكما أَنَّ الغُصنَ، إِن لم يَثْبُتْ في الكَرمَة لا يَستَطيعُ أَن يُثمِرَ مِن نَفْسِه، فكذلكَ لا تَستَطيعونَ أَنتُم أَن تُثمِروا إِن لم تَثبُتوا فيَّ " (يوحنا 15: 4). نستطيع أن نفهم إنسانيًّا كيف أنّ الله يُريد إطعام شعبه، كما تُطعم المرأة الحامل جنينها من ذاتها، من جسدها ودمها. يقول جبران خليل جبران: "المحبّة لا تُعطي إلاّ ذاتها، ولا تأخذ إلّا من ذاتها". أما عبارة "شرِبَ" باليونانية πίνων فتشير الى الشركة الدائمة. أمَّا عبارة " الحَياةُ الأَبدِيَّة "فتشير الى حياة الله والمسيح في المؤمن المولود ثانية (يوحنا 3: 3 -16). أمَّا عبارة "أُقيمُه اليَومِ الأَخير" فتشير الى القيامة التي هي حياة مع الله في الحياة الحاضرة، ولكن القيامة لا تتحقق في كمالها إلاّ في اليوم الأخير. فالقيامة تبدأ الآن، ونحن ننتظرها في اليوم الأخير. والافخارستيا هي خميرة القيامة للمؤمنين (يوحنا 6: 39-40). وبعبارة أخرى يعلن يسوع هنا ان الاشتراك في حياته وموته، ينتج عنه الحصول على الحياة الابدية والقيامة في المستقبل. ونلاحظ هذه الآية تشابه "فمَشيئةُ أَبي هيَ أَنَّ كُلَّ مَن رأَى الِابنَ وآمَنَ بِه كانَت له الحياةُ الأَبَدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير" (يوحنا 6: 40) ، لكن آية (40) تتكلم عن الإيمان بينما أن آية (54) تتكلم عن سر الإفخارستيا بوضوح، ومن هذا المنطلق نستنتج انه لا يجوز تناول من سر الإفخارستيا بدون الإيمان أولًا. ولكن الإيمان وحده فقط لا يكفي فلا بُد من التناول من الجسد والدم أي سر الإفخارستيا.

55 لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ

تشير عبارة " جَسَدي طَعامٌ حَقّ " الى الجسد المُقرَّب قربانا، طعام غير مزيف بل حقيقي يختص بحاجة الإنسان الحقيقية، والحاجة الحقيقية تختص بالروح والحياة الأبدية. ويعلق القديس كيرلس الكبير "أشبع طعام المن حاجة الجسد زمانًا يسيرًا جدًا، أبعد ألم الجوع، لكنه صار بعدها بلا قوة، ولم يهب الذين أكلوه حياة أبدية. إذن لم يكن ذاك هو الطعام الحقيقي. أما الجسد المقدس الذي للمسيح الذي يقوت إلى حياة الخلود والحياة الأبدية فهو بالحقيقة الطعام الحقيقي". ويوضح القديس يوستينوس النابلسي "الطعام المدعو أفخارستيا، لا يًسمح لأحد أن يشترك فيه إلا من يؤمن أن ما نعلم به هو حقيقي"؛ أمَّا عبارة " وَدمي شَرابٌ حَقّ " فتشير الى كأس الذبيحة. ويعلق القديس هيلاريوس أسقف بواتييه "بخصوص صدق الجسد والدم لا يوجد أي مجال للشك. فإنه الآن بإعلان الرب نفسه وإيماننا، هو جسد حقيقي ودم حقيقي. وما يؤكل ويشرب يعبر بنا لكي نكون في المسيح والمسيح فينا". وهنا لا يخفّف يسوع من لهجة الحوار مع اليهود، لا بل يجعله أكثر واقعيّة، إذ تلمح هذه الآية على العشاء الاخير حيث الخبز (الطعام) والخمر (الشراب)، هما جسد المسيح ودمه، وهما يحققان غاية الطعام والشراب. وغاية الطعام والشراب هي ضمان الحياة. وهذه الحياة هي مشاركة مع ألآب والابن. إن يسوع قبل أن يموت، قد أنشأ رتبة طقسية، حتى يُخلِّد، تحت صور الخبز والخمر، حضوراً منظوراً لجسده المُقرَّب كذبيحة. وتبرز الروايات الانجيلية التي تصف تأسيس الإفخارستيا، ارتباط هذا الترتيب الطقسي بالصلب الوشيك حدوثه معلنة بذلك معنى موت يسوع: "هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم " (1 قورنتس 11: 24)، "هذا هو دَمي دَمُ العَهد يُراقُ مِن أَجلِ جَماعَةِ النَّاس" (مرقس 14: 24). فما سيكون حاضراً منذ الآن فصاعداً على شكلي الخبز" والخمر"، إنما هو جسد المسيح الذي أُسلم، ودمه الذي أريق مِن أَجلِ جَماعَةِ النَّاس. فما نتناوله هو خبز وخمر وفي الحقيقة هو جسد ودم.

56 مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه

تشير عبارة " مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي " الى جسد المسيح ودمه هما غذاء حقيقي للنفس، حيث ينتج عن هذا الغذاء اتحادا وثيقاً وحميما مع طبيعة الرب. وقد اكّد بولس الرسول هذه الحقيقة باستخدام تعبير الجسد والدم في حديثه عن التناول " وهو أَنَّ الرَّبَّ يسوع في اللَّيلَةِ الَّتي أسلِمَ فيها أخَذَ خُبْزًا وشَكَرَ، ثُمَّ كَسَرَه وقال: ((هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم. اِصنَعوا هذا لِذِكْري)). وصَنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكَأسِ بَعدَ العَشاءِ وقال: ((هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي. كُلُّمَا شَرِبتُم فاصنَعوه لِذِكْري" (1قورنتس 11: 23-26). ولم يقدر رؤساء اليهود ان يحتملوا قول الرب يسوع بأكل جسده وشرب دمه، لان الشريعة تحرم شرب الدم (الاحبار 17: 10). ويعلق القديس كيرلس الكبير "رب الجميع نفسه الذي يريدنا أن نكون هكذا يقول النبي اشعيا: "فإِنَّ أَفكاري لَيسَت أَفْكارَكم ولا طرقُكم طُرُقي، يَقولُ الرَّبّ. كما تَعْلو السَّمواتُ عنِ الأَرض كذلك طُرُقي تَعْلو عن طُرُقِكم وأَفْكاري عن أَفْكارِكم "(أشعيا 55: 8-9). لكن ذاك الذي يفوقنا بما لا يُقاس من عظمة في الحكمة والقدرة، كيف لا يفعل شيئًا عجيبًا يفوق فهمنا...؟ لأنه هكذا يقول اشعيا النبي: "وأَنتُم إِن لم تُؤمِنوا فلَن تفهموا" (اشعيا 7: 9 بحسب الترجمة السبعينية). لهذا كان من الصواب أن يتأصل فيهم الإيمان أولًا ثم يأتي بعد ذلك الفهم للأمور التي يجهلونها". اما عبارة " ثَبَتَ فِيَّ " فتشير الى اتحاد المؤمن بجسد المسيح. فكما يثبت ويتحد الغذاء بالجسد، ويتحول الخبز الذي نأكله إلى أنسجة في الجسم. هكذا نتحد بجسد المسيح فنصير أعضاء جسده (أفسس 5: 30). وامَّا عبارة " ثَبَتُّ فيه " فتشير الى حياة يسوع تثبت في المؤمن فيردّد مع بولس الرسول " فالحَياةُ عِندي هي المسيح" (فيلبي1: 21).

57 وكما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي.

تشير عبارة " الآبَ " الى لفظ يطلقه المسيحيون على الله لأنه الآب السماوي (متى 11: 25 غلاطية 1: 1)؛ اما عبارة " الآبَ الحَيَّ " فتشي الى صفة الآب أنه حي (تثنية الاشتراع 5: 26). والابن هو أيضا حي بذاته. طبيعة الابن أنه مولود من الآب وله حياة في ذاته كما أن الآب له حياة في ذاته. أمَّا عبارة " وأَنِّي أَحْيا بِالآب " اليونانية κἀγὼ ζῶ διὰ τὸν πατέρα فتشير الى علة حياة يسوع هو الآب، فالابن لا يحيا وحده، لكن حياة الآب هي حياة الابن بلا انفصال. فهو من أصل واهب الحياة، أي الله الآب. الابن لا يحيا وحده بدون الآب ولكن حياة الآب هي حياة الابن. فالآب والابن هما واحد والآب في الابن والابن في الآب (يوحنا 10: 30- 38). أمَّا عبارة "أرسَلَني" فتشير الى التجسد أي صار في الجسد. أمَّا عبارة " الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي" فتشير الى الحياة التي هي دخول في الاتحاد بالابن عن يده بالآب.؛ وهذا التبادل القائم على المعرفة والمحبة المتبادلة مضمون على وجه ثابت ونهائي. وبتحقق هذا الاتحاد في عشاء الافخارستيا. ان الاتحاد مع يسوع من خلال القربان الاقدس هو شبيه بالاتحاد الكائن بين الآب والابن. فالإفخارستيا هي المن الحقيقي، هي الخبز الذي يعطي الحياة للعالم، بمجرد الاتحاد الوثيق بيسوع.

58 هُوَذا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِن السَّماء غَيرُ الَّذي أَكلَهُ آباؤُكُم ثُمَّ ماتوا. مَن يأكُلْ هذا الخُبْز يَحيَ لِلأَبَد

تشير عبارة " هُوَذا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِن السَّماء" الى يسوع المسيح خبز الحياة. وقد تكررَّت هذه الآية للمرة العاشرة في هذا الفصل. إن سر عطاء يسوع وخصبه لحياة العالم والاتحاد به أمر يصعب فهمه لهذا لا بد من خيار نقوم به. أمَّا الرسل فقد أعلنوا إيمانهم عن طريق بطرس، والتزموا بما يطلبه يسوع. أمَّا الآخرون فتردَّدوا، وتراجعوا، وانقطعوا عن مصاحبة يسوع. "كَثيرٌ مِن تَلاميذِه لَمَّا سَمِعوه قالوا: هذا كَلامٌ عَسير، مَن يُطيقُ سَماعَه؟" (يوحنا 6: 60). أمَّا عبارة "غَيرُ الَّذي أَكلَهُ آباؤُكُم ثُمَّ ماتوا" فتشير الى قيمة "المن" محدودة، وهي لا تقابل بالطعام الذي يمنحه يسوع. تلخص هذه الآية التعليم الوارد في الآيات السابقة.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 6: 41- 52)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 6: 41- 52) يمكننا ان نستنتج ان النص يتمحور حول موضوع الافخارستيا. ان يسوع هو ليس فقط خبز الكلمة بل هو خبز الافخارستيا اي القربان الاقدس. ومن هنا نسأل: ما هي ابعاد الافخارستيا؟ وما هي نتائجها؟

1) أبعاد الافخارستيا

تعبّر كلمة الافخارستيا عن الحمد لعجائب الله بقدر ما تعبّر عن شكر على الخير الذي يحصل عليه البشر من العجائب. أما في الاستخدام المسيحي فكلمة "أفخارستيا" تشير الى العمل الذي أسَّسه يسوع عشية موته كما ورد في انجيل متى " أَخذَ يسوعُ خُبزاً وبارَكَ ثُمَّ كَسَرَه وناوَلَه تلاميذَه وقال: ((خُذوا فَكُلوا، هذا هُوَ جَسَدي)). 27 ثُمَّ أَخَذَ كَأساً وشَكَرَ وناوَلَهم إِيَّاها قائلاً: ((اِشرَبوا مِنها كُلُّكم 28 فهذا هُوَ دَمي، دَمُ العَهد يُراقُ مِن أَجْلِ جَماعةِ النَّاس لِغُفرانِ الخَطايا. " (متى 26: 26-28)؛ بهذا العمل الحاسم أضفى يسوع على أطعمةٍ (بسيطة) القيمة الأبدية القائمة على موته الفدائي. فأصبحت الافخارستيا محور العبادة المسيحية. ونجد للإفخارستيا عدة أبعاد من خلال نصوص الكتاب المقدس، فهي مأدبة، مأدبة الرب، ذبيحة الصليب، وسر آخر الازمنة والعالم الجديد.

• الافخارستيا مأدبة:

تأسست الافخارستيا أثناء تناول وجبة عشاء وبالتالي هي رتبة تناول الوجبة كتعبير ديني. اعترف الإنسان بقيمة مقدسة للطعام، فالخبز والماء والخمر والفواكه الخ هي خيرات من أجلها يبارك الإنسان الله من اجل كرمه وتوفير الحياة. وبما أنَّ تناول الطعام يتمُّ في صورة جماعية، يقام فيما بين المدعوين، وبينهم وبين الله، روابط مقدسة. وعليه فان الأطعمة تعبِّر عن عمل الله في إيصال الحياة إلى شعبه. فالمنّ والسلوى، في الخروجْ، أسوة أيضاً بالماء المتفجر من صخرة حوريب (مزمور 78 :2- 29)، هذه كلها حقائق رمزية (1 قورنتس 10: 3- 4) تشير إلى الكلمةْ الخبز الحقيقي النازل من السماء (خروج 4:16). وفي الواقع، إن هذه الرموز تكمُل في يسوع. فيسوع هو "خبز الحياة "، أولاً بكلمته التي تفتتح الحياة الأبدية لمن يؤمنون به (يوحنا 6: 26- 51)، ثم بجسده ودمه ْ اللذين أُعطيا طعاماً وشراباً للمؤمنين (يوحنا 6: 51 - 58). فهذه الكلمات تعلن مقدماً عن الافخارستيا (يوحنا 6: 1- 15).

• الافخارستيا مأدبة الرب:

الافخارستيا هي مأدبة لكنها مأدبة الرب، لأنها تذكار ووعد المسيح. " هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم. اِصنَعوا هذا لِذِكْري)). وصَنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكَأسِ بَعدَ العَشاءِ وقال: ((هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي. كُلُّمَا شَرِبتُم فاصنَعوه لِذِكْري" (1قورنتس 11: 23-26). وهي دعوة رسمية وجَّهها الربّ إلى البشر: "هَلُمُّوا كُلوا من خبْزي واْشرَبوا من الخَمْرِ الَّتي مزَجتُ" (الامثال 9: 5). إن هذه الوليمة هي الإفخارستيّا المقدّسة، الّتي يمنحنا فيها المسيح الربّ ذاته كغذاء.
وكما ان الكلمات التي كان رب الأسرة في العشاء اليهودي ينطق بها على الأطعمة المتنوعة، وعلى الأخص على الخبز والكأس الثالثة، كانت تضفي عليهما قوة لذكرى المحن الماضية التي تخللت الخروج والرجاء للوعود في المستقبل، كذلك السيد المسيح من خلال تحويل الخبز والخمر الى جسده ودمه يُذكِّرنا بموته فداء للناس والذي يؤدِّي الى الوعد بالحياة الابدية بفضل قيامته. وهكذا يهيّ يسوع "إتمام تناول الفصح" (لوقا 22: 15- 16) و"الخمرة الجديدة" (مرقس 14: 25) في العشاء الأخير، إذ يجعل الخبز والخمر معبِّرين عن حقيقة جسده ودمه الجديدة. وفي هذا الصدد يقول القديس أوغسطينوس "هذا الخبز الذي ترونه على المذبح، الذي كرّسته كلمة الربّ، هو جسد الرّب يسوع المسيح. هذه الكأس التي كرّستها كلمة الرب، أو بالأحرى كرّست ما بداخلها، هي دم الرّب يسوع المسيح".
ولخَّصت الكنيسة تعليمها عن الافخارستيا بقولها "ان مخلصنا وضع، في العشاء الاخير، ليلة أسلم، ذبيحة جسده ودمه الإفخارستية، لكي تستمر بها ذبيحة الصليب على مر الاجيال، الى ان يجئ، ولكي يودع الكنيسة، ذكرى موته وقيامته: انه سر تقوى، وعلامة وحدة، ورباط ووليمة فصحية، فيها نتناول المسيح غذاء، وتمتلئ النفس بالنعمة، ونعطى عربون الاتي" (التعليم المسيحي الكاثوليكي 1323). لنردد مع صاحب المزامير " ذوقوا واْنظروا ما أَطيَبَ الرَّبَّ " (مزمور 34: 9).

• الافخارستيا ذبيحة الصليب:

الافخارستيا هي مأدبة الرب التي تعلن عن ذبيحة الصليب. حيث قال يسوع " إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه فلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياة " (يوحنا 6: 53) هو إشارة للصلب الذي فيه ينفصل دمه عن جسده، أي بتقديم المسيح نفسه كذبيحة. وسر الإفخارستيا الذي نأكل فيه الجسد ونشرب الدم هو امتداد لذبيحة الصليب. كل قداس هو نفس الذبيحة. فالإفخارستيا هي نفسها ذبيحة المسيح. في الافخارستيا أعلن الرب عن موته الخلاصي: إنه موت للفداء، كما يؤكد يسوع لأن جسدي " يبذل من أجلكم " (1 قورنتس)، ودمي "يراق من أجل جماعة كثيرة " من أجل "عهد جديد (مرقس ومتى). وإنَّ فصل الخبز والخمر على المائدة لهو دلالة لفصل الجسد عن الدم. وبهذا يعلن يسوع بوضوح موته الوشيك، ويقدِّمه كذبيحةْ، على شبه ذبيحة الأضاحي في سيناء، العهدَ الأولَ (خروج 24: 5- 8)، أو بالأحرى ذبيحة حملْ الفصح، (قورنتس 5: 7). وأكّد أنه يقوم برسالة التضحية بحياته، مثل العبد (لوقا 4: 17- 21 " ليفدي جماعة كثيرة " (مرقس 10: 45). وفي هذا يحل موته الوشيك محلّ ذبائح العهد القديم، ويخلّص البشر من عبودية الخطيئة. وعليه يؤسس " العهد الجديد" الذي سبق أن بشّر به إرميا النبي (ارميا 31: 31-34).
ويشترك المؤمنون في ذبيحة يسوع عن طريق أكل جسده وشرب دمه، فيجعلون تقدمة حبه تقدمتهم، وينتفعون من العودة في النعمة التي تحققها التقدمة (1 قورنتس 10: 18- 21). ومن أجل أن يتمكّنوا من أن يفعلوا ذلك في أي مكان أو زمان، فقد اختار يسوع أطعمةً عادية جداً ليصنع منها جسده ودمه، وأمر تلاميذه أن ينطقوا نفس العبارات التي بسلطانه، وبحلول الروح القدس، ستُحدث هذا التحول. وبهذا يمنحهم مشاركة بالتفويض في كهنوته. ومنذئذ، في كل مرة يُعيد المسيحيون إتمام هذا الفعل، أو يشتركون فيه، " فإِنَّكُمَ كُلَّمَا أَكَلتُم هَذا الخُبْز وشَرِبتُم هذِه الكَأس تُعلِنونَ مَوتَ الرَّبِّ إِلى أن يَأتي" (1 قورنتس 11: 26)، لأن الحضور السِّري الذي يحققونه، هو حضور المسيح في حالته كضحية. إنهم يصنعون ذلك " ذكراً له " (1 قورنتس 11: 25)، بمعنى أنهم بالإيمان يتذكرون عمله الخلاصي، ويستعيدونه ليتذكره الرب (أعمال 10: 4 و31)، كتقدمة متجددة باستمرار تستدعي نعمته. إنها " تذكار" ينطوي على استحضارٍ تضحية يسوع المسيح المبذولة لاستعادة الخلاص للبشر. إنها أعجوبة محبة يشترك المؤمنون فيها باتحادهم بالشركةْ في جسد الرب، وبه يتحدون مع جميع أعضائه (1 قورنتس 10: 14- 22). وعليه فإن الافخارستيا سرّ ذبيحة المسيح، سرّ المحبة، سر وحدةْ المؤمنين في جسد المسيح. وكل قداس هو نفس الذبيحة. هو نفس المسيح في كل مكان وكل زمان. كما تشرق الشمس كل يوم، هي نفسها.

• الافخارستيا سر آخر الأزمنة والعالم الجديد:

إن موت المسيح يؤدي إلى الحياةْ الحقيقية التي لا تنتهي (رومة 6: 9- 10)، هذا هو عصر "الخيرات المستقبلية" في آخر الأزمنة. ولقد تمت ذبيحة المسيح "مرة واحدة" (عبرانيين 7: 27)، وقد حلّ دمه نهائياً محلّ دم ذبائح العهد القديم الذي لا يجدي (عبرانيين 9: 12 -14). فالعهد الجديد الذي يسوع وسيطه (عبرانيين 12: 24)، قد أزال القديم (عبرانيين 8: 13)، وهو يوفِّر الميراثْ الأبدي (عبرانيين 9: 15). والآن يجلس رئيس كهنتنا سيدنا يسوع المسيح عن يمين الله (عبرانيين 8: 1، 10: 12) "حيث حَصَلَ لنا على فِداءٍ أَبَدِيّ" (عبرانيين 9: 12)، وهو " حَيٌّ دائمًا أَبَدًا لِيَشفَعَ لَتا" (عبرانيين 7: 25،)، " لا يَزول، لَه كَهَنوتٌ فَريد" (عبرانيين 7: 24).
وإن ذبيحته، وإن كانت قد تمَّت في الماضي، إلا أنها حاضرة دوماً في العالم الجديد حيث دخل المسيح بذبيحة ذاته التي لا يكفُّ عن تقديمها لأبيه. ويشترك المؤمن بالافخارستيا اشتراكاً حقيقياً في العالم الجديد. وفي الحقيقة، فإن الافخارستيا توثق الصلة بين يسوع الحي إلى الأبد بحالته كضحية، وبين المؤمن. ويكون العبورُ فيها من الخبز إلى الجسد، ومن الخمر إلى الدم، كسرّ من أسرار الكنيسة، تجديداً للعبور من العالم القديم إلى العالمْ الجديد الذي اجتازه المسيح، إذ مضى بالموت نحو الحياة.
ولقد كانت رتبة طقس الفصح نفسه، طقس عبور: من عبودية مصر إلى حرية أرض الميعاد، ومن وعبودية الألم والخطيئة، والموت، إلى حرية السعادة، والبر والحياة. في فصح المسيح، فإن العالم الجديد، عصر المسيح الموعود به، قد أقبل فعلاً بقيامته، وفيه تمَّ اقتناء الخيرات الموعود بها. وعليه فان الجسد والدم ليسا تذكاراً رمزياً لحدث وقع وانتهى فحسب، وإنما هما حقيقة كاملة لعالم آخر الأزمنة، العالم الجديد، حيث يحيا المسيح. وعليه فإن الافخارستيا تزوِّد المؤمن، الذي ما زال مستغرقاً في العالم القديم، بالاتصال الحسي بكيان المسيح الجديد القائم من بين الأموات (يوحنا 6: 63).
ولذا تُعد الافخارستيا مركز الاسرار ومحورها. فالأطعمة التي تقوم عليها الافخارستيا تتغيّر في كيانها، وتصبح "طعام الملائكة" الحقيقي (مزمور 78: 25،)، وغذاء الزمن الجديد. فبوجودها على المذبح، يكون المسيح المائت ثم القائم من الموت حاضراً حضوراً حقيقياً، وهو في حالة استعداده الأبدي كذبيحة.
ومن أجل ذلك يُعتبر القداس ذَبيحة، مطابقة لذبيحة الصليب التاريخية، بواسطة تقدمة محبة المسيح الكاملة التي تنشئ ذبيحة القداس، مع الاختلاف فقط من حيث الظروف العارضة في الزمان والمكان التي تتجدد فيها الذبيحة. وعليه فان الكنيسة توحّد بواسطة القداس، في كل مكان وحتى نهاية العالم، تسابيحَ البشر وتقدماتِهم، مع "ذبيحة الافخارستيا"، التي هي وحدها ذات قيمة أمام الله، ووحدها تضفي القيمة على تلك التسابيح والتقدمات "لأَنَّه بِقُرْبانٍ واحِدٍ جَعَلَ المُقَدَّسينَ كامِلينَ أَبَدَ الدُّهور" (عبرانيين 10: 14).
ونستنتج مما سبق أن القداس، الذي تجدده الكنيسة، يبقى ذكراً لموت المسيح (1 قورنتس 11: 24- 26). لكنه يقام الآن في ضوء القيامة التي بها أصبح جسد المسيح "رُوحًا مُحْيِيًا " (1 قورنتس 15: 45)، وفضلاً عن ذلك، يتخذ بعداً اسكاتولوجياً من حيث إنه يبشر بمجيء الرب؟ ويدعو إلى انتظاره (11: 26). فبفضل هذا القداس، تقوم الكنيسة إذاً باختبار له طابع خاص: "فالشركة في جسد المسيح كلها تحيا بنوع جديد جميع المراحل الأساسية لسر الخلاص.

2) نتائج الافخارستيا

لم يروِ انجيل يوحنا في خطابه عن الافخارستيا (الفصل 6) عن إنشاء سر الافخارستيا، لكن يذكر ثلاث نتائج لها تتطابق مع أناجيل متى ومرقس ولوقا التي تروي تأسيس الافخارستيا، وهي:

أ‌) الحياة الابدية والقيامة:
يقول السيد المسيح "مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير" (يوحنا 6: 54). يعطي يسوع جسده طعاما يُغذّي حياة تتجاوز الحياة الأرضيّة أو البيولوجيّة، فهو يعطي جسده للموت ليكون للناس حياة أبدية. والأكل يتضمن الموت مع المسيح والقيامة معه. فمن يأكل من جسده، فهو حقاً سيموت جسدياً ولكن يظل غير منفصل عن الله. تسري فيه حياة بعد موت، لذلك يكرر السيد هنا " وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير " (يوحنا 6: 39-40-44-54). تشركنا الافخارستيا في "يسوع القائم" والحي. إذ سيتحوّل هذا الجسد القائم فينا الى بذار حياة الهية. في اللحظة التي كان يسوع يتكلم عن " الوليمة السماوية" كان يدعو اصدقاءه من جديد: "أَقولُ لكم: لَن أَشرَبَ بعدَ الآن مِن عَصيرِ الكَرْمَةِ هذا حتَّى ذلك اليَومِ الَّذي فيهِ أَشرَبُه مَعَكُم جَديداً في مَلكوتِ أَبي" (متى 26: 29) من يأكل جسد المسيح فلا يسوده فناء، لأنه عندما يأكل جسد المسيح إنما يزوّده هذه الجسد بحياة من حياة المسيح وينصهر فيه من اجل ان يُصبح معه واحداً " مَن يأكُلْ هذا الخُبْز يَحيَ لِلأَبَد" (يوحنا 6: 58). من يأكل جسد المسيح تكون له حياة لا تزول منذ الآن وتستعلن في اليوم الأخير عند القيامة. ويعلق القديس ايريناوس "عندما تنتعش أجسامنا بالرب يسوع، فإنها تودع في الأرض وتتحلل هناك، ستقوم في الوقت المعين، إذ يهبها المسيح القيامة لمجد الله الآب، ، كما يصرّح بولس الرسول "إِنِّي بِالأَحرى أَفتَخِرُ راضِيًا بِحالاتِ ضُعْفي لِتَحِلَّ بي قُدرَةُ المَسيح" (2 قورنتس 12 : 9)". ويوضح القديس اوغسطينوس "فإنه لا تسلب من الجسد حياته الأبدية، إنما على العكس سينالها في قيامة الأموات في اليوم الأخير". هذه آية مذهلة ولا يقبلها الإنسان إلا بالإيمان. فإن لم يأتِ الإنسان بالإيمان إلى المسيح لن يتقبل هذه الحقائق.

ب‌) الثبات المتبادل في الشخص المسيح:
يقول السيد المسيح:" مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه (يوحنا 6: 56). من يأكل جسد المسيح يبقي فيه، موت المسيح يصير موتاً لع عن العالم وفداءً له، وحياته تصير له حياة أبدية. هكذا جاء المسيح ليكون فينا ونحن أيضًا فيه. ثبات متبادل، لأنّ ثبات يسوع في التلاميذ وثبات التلاميذ في يسوع ممكن فقط انطلاقاً من وحدة الجسد ومن شركة الحياة، ضمن تناولنا وتمثّلنا حياة الربّ الّذي يجعل نفسه خبزاً. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "يقودنا المسيح إلى صداقة حميمة ليظهر حبه لنا. إنه يهب الذين يرغبونه ليس فقط أن يروه بل يلمسوه ويأكلوه، ويثبتوا أسنانهم في جسده، ويقبلون ويُشبعون كل حبهم له". ومن هذا المنطلق فإن جسد المسيح هو وسيلة إتحاد بالمسيح، وثبات فيه. وقد صرّح بولس الرسول " فنَحنُ أَعْضاءُ جَسَدِه" (أفسس 5: 30).
فجسد المسيح هو طريق اللقاء به والمكان الضروري للدخول في شركة معه كما يوكد ذلك بولس الرسول " فنَحنُ أَعْضاءُ جَسَدِه" (أفسس 5: 30). وهذا الثبات متبادل. فلو قال يسوع يثبت فيَّ فقط نكون معرضين للانفصال لان إمكانياتنا ضعيفة وإيماننا ضعيف ولكنه أضاف وأثبت فيه لتأمين الاتحاد خوفاً من ضعف الإنسان، حياته تثبت فينا. وحينما نثبت في حياة المسيح نستطع ان نقول مع بولس الرسول " الحَياةُ عِندي هي المسيح" (فيلبي 1: 21). فمن خلال تناول جسد الرب يُصبح الله حياة فينا، ويُعطي شكلاً لكياننا ولتفكيرنا ولإرادتنا ولعملنا. ويعلق القديس اوغسطينوس " وإذا ما تناولتموه وأنتم أهل لهم، سوف تصبحون ما تتناولون".
بتناول جسد الرب نُثبّت حضوره في العالم ونصير امتدادا له على الأرض. ويعلق القديس كيرلس الاورشليمي: "إنّ جسد الربّ ودمه يعطيان لك تحت شكليّ الخبز والخمر، بحيث تصبح، عندما تشارك في مائدة الربّ، جسدًا واحدًا وروحًا واحدةً معه". ويقول المجمع الفاتيكانيّ الثانيّ" إنّ الافخارستيا هي "منبع الحياة المسيحية كلها وقمتها (نور الأمم 11) والمصدر الذي ينهل منه المسيحيّ ليعيش حياته على خُطى المسيح؛ هي القمّة التي يصبو إليها: الاتّحاد الكامل بالله.
كل إنسان مدعو للإقامة مع الله وفي إلهه. هذا هو موضوع العهد الجديد الذي يعبر عنه الكتاب المقدس عبر التاريخ، بعبارات رائعة " وأَجعلُ مَسكِني في وَسْطِكم، وأَسيرُ في وَسْطِكم وأَكونُ لَكم إِلهاً وأَنتُم تَكونونَ لي شَعْباً " (الاحبار 6: 11-12). وأمَّا السيد المسيح فيقول ليلة آلامه: "إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً" (يوحنا 14: 23). وقد دعيت أورشليم السماوية " مَسكِنُ اللهِ مع النَّاس، فسَيَسكُنُ معهم وهم سيَكونونَ شُعوبَه وهو سيَكونُ ((اللهُ معَهم)) " (رؤيا 21: 3). هذه هي العطية الأبدية، يسكن الله معنا ويقبلنا عنده كشعب سماوي له وهو يكون لنا إلهًا يتجلى فينا. تقول كيارا لوبيك: "تجعل هذه العطية الأبدية جميع أعضاء الجسد السرّي حاضرين فيما وراء المسافات وما وراء الموت، حيث أنّ المكان والزمان يتمّ طمسهما في المسيح الممجّد الحاضر في هذا الاتّحاد". نستنتج من كل ما تقدم ان سُكنى الله فينا ينزع عنا فراغنا الداخلي الذي لن يشبعه إلاَّ الله نفسه، إذ لا تشبع النفس التي على صورة خالقها إلاَّ بالله خالقها. وفي هذا الصدد يقول القديس ايريناوس "إن الإنسان أمَّا أن يكون فارغًا أو مملوءً. فمن يقبل الله ساكنًا فيه يكون مملوءً، أمَّا من ليس له معرفة الآب السماوي وليس له الروح القدس ولم يقبل المسيح حياة له فيكون فارغًا".

ج) المسيحي يكرس ذاته للمسيح:
بالافخارستيا يكرس المؤمن حياته للمسيح كما أعلن يسوع “وأَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي. يوحنا 6: 57)؛ يعيش الواحد من اجل الآخر. لقد كرّس يسوع حياته من أجل أبيه، وعاش كلياً من أجله، ويطالبنا أن نعيش من أجله. إذ عندما يكرس الإنسان حياته للسيد المسيح يصير بكليته مطّوبًا، تصير نفسه وكل أعضاء جسمه مع قلبه وفكره وكل طاقاته مقدسة، تعمل لحساب ملكوت الله. إن كان هذا الامر يتطبّق على كل مؤمن، فكم بالأحرى على رسل المسيح وتلاميذه الذين ينالون مواهب خاصة بالخدمة كما يقول العلامة أوريجين. فعلينا ان نوقف حَيَاتَنا لِخِدْمَةِ الله والآخرين وبِلاَدِنا. ويلخص القديس يوحنا الذهبي الفم ثمرا الافخارستيا بقوله "يكون للذين يشتركون فيهما (جسد الرب ودمه) رزانة النفس، غفران الخطايا، شركة الروح، بلوغ ملكوت السماء، الدالة لديه، وليس للحكم والدينونة".

الخلاصة

يقف الناس امام سر الافخارستيا بين معارض ومؤيد. فكثيرون يتساءلون ويتشككون: "كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه؟ (يوحنا6: 56). جسد المسيح هو حياة للناس ووسيلة اتحاد بالمسيح، فالذين يأكلون جسده لا يُمسهم الفناء إنما يزوّدهم هذه الجسد بحياة من حياته الالهية. لا يقبل الانسان تصريح يسوع الا بالإيمان. لنتخذ من جسده المبذول من أجلنا على جلجلة اورشليم خبز حياة. ولنقف من المسيح غير موقف أهل كفرناحوم الرافض بل موقف إيمان بكلمته فنتغذى بجسده طلبا للحياة والقيامة والخلاص.

ونختتم مع جواب البابا فرنسيس لأعضاء حركة الشبيبة حول سؤال ما معنى الافخارستيا؟ فأجاب البابا "تساعدنا الافخارستيا على الدوام أن نفكر بالعشاء الأخير، والكلمات التي قالها يسوع عندما أعطى الخبز والخمر، جسده ودمه، إذ قال: "اصنعوا هذا لذكري". إن ذكرى يسوع حاضرة هنا، ذكرى يسوع هي في كلّ ذبيحة إلهيّة يخلّصنا بواسطتها. إنها ذكرى حب عظيم جعله يبذل نفسه من أجلي، وهذا الأمر يمكن لكل فرد منا أن يقوله، لا بل ينبغي علينا أن نقوله، ومع هذه الذكرى وفي كل مرّة ننال جسد ودم يسوع نحن نعمّق معرفتنا لسرّ الافخارستيا، لأنه في كلّ مرّة نشارك في الذبيحة نتذكر أن يسوع قد بذل حياته من أجلنا، وهذه هي الذكرى وقد كانت وصيّة يسوع لتلاميذه: "اصنعوا هذا لذكري". فلا نتردد ان نتبع وصية القديس الاب بيو "ابقَ قريبا من الكنيسة في جميع الأوقات، فهي تعطيك السلام الحقيقي، لأنها لديها يسوع، أمير السلام الحقيقي، في القربان المقدس. ومن الاسهل على الأرض ان تكون دون شمس من ان تكون دون ذبيحة القداس الالهي". ويقول القدّيس خوسيه ماريّا إسكريفا: "اعمل على زيادة إيمانك في سرّ الإفخارستيّا المقدّس. وعبّر عن اندهاشك أمام تلك الحقيقة الّتي لا توصف: وجود الربّ معنا، وإمكانيّة تناوله كلّ يوم، وإن أردنا ذلك، التحدّث معه بشكل حميم، كما يتحدّث الفرد مع أخ له، وكما يتحدّث مع أبيه، وكما يتحدّث مع محبوبه" (Forge. n268).

دعاء

أيّها الآب السماوي، نشكرك لأنك أرسلت لنا أبنك يسوع المسيح، خبز الحياة، اجعلنا ان نتقدم الى وليمة الإفخارستيّا بإيمان ومحبّة فنعيش من الربّ ومع الربّ ومن أجل الربّ فتكون لنا الحَياةُ الأَبدِيَّة ويُقيمنا في اليَومِ الأَخير.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء