الإعلام.. سلاح ورسالة وأداة

الإعلام.. سلاح ورسالة وأداة

حمادة فراعنة
2016/10/03

يستمد الإنسان وعيه من ثلاثة مصادر رئيسة، تسهم كل منها في تكوين شخصيته، وتؤثر على هذا النحو أو ذاك، في صياغة مدركاته النظرية ومعارفه وخبراته العملية، التي تحدد موقفه، وتغربل خياراته، وتعمق تجربته، وترفع من سويته الإجتماعية وهي:

1- التنشئة الأسرية والتربية والتعليم معاً، لا سيما في السنوات الأولى من حياته التي تبدأ كصفحة بيضاء، أو كعجينة قابلة للتشكل بفعل ما تتعرض له من مؤثرات خارجية.

2- الفضاء العام، الذي بات يشكل فيه الأعلام مؤخراً انجع أدوات التأثير على إتجاهات الرأي العام ومراكز صنع القرار ، بما يتواتر فيه من أراء وأفكار وصور ومعلومات، تخاطب مركز تفكير الإنسان، عاطفته ووجدانه الخاص.

3- الإنتماء لحزب عقائدي، أو الأنحياز لتيار سياسي من أي لون كان.

لذلك لم يكن عبثاً على الاطلاق، ولا من قبيل الصدفة ابداً، أن تولي الأحزاب العقائدية جل إهتمامها للمؤسستين: التربوية والإعلامية، بإعتبارهما المفتاحين الكبيرين لولوج الابواب المغلقة، وبث الافكار وترجيح وجهات النظر المسبقة، ومن ثمة توجيه الأفراد بكل يسر على الطريق المرسوم بعناية، والتغلغل في نسيج المجتمع دون خلق أي اثارة، أو التسبب بأي إحتكاك مع سلطات الرقابة.

حينما ندقق اليوم بالوعي المتكون لدى الأغلبية الساحقة من الأردنيين، الذين يعيشون في نجتمع تعددي مفتوح، نجد أنهم متأثرون بأفكار شتى، لعل أشدها أفكار حركة الإخوان المسلمين، وأنهم منفعلون برؤيتها تجاه القضايا التي تشغل الإهتمامات المركزية لدى أكثرية الناس، المهمومين بالقضايا العامة، بما في ذلك القضايا الحياتية.

وما كان لهذا التأثير أن يكتسب هذه القوة، وأن يبلغ مداه الراهن، لولا ذلك التحالف السياسي المصلحي القائم ما بين مؤسسات الدولة الاردنية وحركة الإخوان المسلمين لأكثر من خمسين عاماً، إمتدت على طول حقبة الحرب الباردة على المستوى الدولي، وإستمرت طيلة فترة الأحكام العرفية على المستوى المحلي، وعلينا التسليم على أنها الحركة السياسية الأكثر قوة وتماسكاً ونفوذاً بين الأردنيين، وتشكل إمتداداً لأكبر وأقوى حركة سياسية عابرة للحدود في العالم العربي.

فعلى قاعدة هذا الحلف الذي لم يهتز إلا في الآونة الأخيرة ، بين الدولة والإخوان ، تصدى الطرفان على نحو مشترك لما إعتبراه عدواً خارجياً ، حيث رأت الدولة فيه خطراً على الكيان ، فيما رأت الحركة الإخوانية فيه عدواً كافراً ينبغي مقاومته ، ونعني به كل من الشيوعية والإشتراكية والأتحاد السوفياتي ، وذلك طوال الفترة الواقعة ما بين سنة 1950 إلى سنة 1990 ، وطوال فترة الأحكام العرفية في الفترة الواقعة ما بين 1957 حتى عام استرداد شعبنا لحقوقه الدستورية عام 1989.

وعلى هذه الخلفية المعلنة على رؤوس الأشهاد ، من كلا الجانبين ، اتاحت الدولة لحركة الإخوان المسلمين ، أو نظرت بتسامح ، إلى تغلغل الحركة في مؤسسات ودوائر ووزارات التربية والتعليم والأوقاف والجامعات ، ويسرت لها بذلك التأثير على وعي شرائح واسعة من الأردنيين ، ذلك التأثير الذي رسخ من وجود الحركة الإخوانية في المجال العام ، ووسع نفوذها لدى مختلف الطبقات الاجتماعية ،على نحو ما كان يتجلى عليه الأمر في الأنتخابات النقابية والطلابية والبلدية والبرلمانية ، طوال العقود الماضية.

ولعل من اللافت للإنتباه حقاً ، ان عدداً من الأردنيين الخارجين من رحم الإسلام الأصولي ، بأطيافه المختلفة ، قد أسهموا أو قادوا ، بل وأسسوا ، أكبر الحركات السياسية تأثيراً وقوة في عالمنا المعاصر . فالذي أسس تنظيم القاعدة كان عبد الله عزام ، شيخ أسامة بن لادن ، كما أن الذي أسس نواة داعش المنبثقة عن القاعدة أبو مصعب الزرقاوي ، قبل أن يعلن ابو بكر البغدادي قيام دولة الخلافة ، وفوق ذلك فإن من يرأس الهيئة الشرعية العليا في تنظيم الدولة الاسلامية الآن المواطن الأردني عمر زيدان.

أردت من هذا الأستعراض المكثف ، أن أقدم رؤية موجزة لماهية الوعي السياسي وكيفية تشكله لدى الإخوان المسلمين ، وأن أبين طرق تأثيره على وعي الانسان هنا وفي كل مكان ، لأخلص من ذلك إلى حقيقة باتت شبه بديهية ، ألا وهي أن الإعلام بأدواته كافة ، لم يكن ذات يوم مستقلاً ولا محايداً ، وأنه بات في عصرنا الراهن ، الوسيلة الأكثر مضاءّ في تكوين الوعي وتوجيهه ، من منطلق حقيقة لا مراء فيها ، ألا وهي أن لدى أي وسيلة إعلامية رسالة خاصة بها ، تود أن تصل بها ومن خلالها إلى الناس.

وحينما نتوقف برهة أمام المؤسسة الأعلامية الأردنية مثلاً ، نلمس دون عناء ، حقيقة غيابها المروع ، ونرى ضعف تأثيرها في المتلقين ، قياساً بما هو عليه الحال لدى الآخرين من أصحاب الشبكات الأعلامية ، ومرد ذلك عائد لسببين : أولهما غياب الرؤية السياسية الأردنية ، وثانيهما تواضع القدرات المالية . وللإستدلال على صحة هذا الأفتراض ، دعوني اسأل نفسي قبل ان اسألكم ، من يهتم على سبيل المثال بالميثاق الوطني الأردني ومن يتذكره اصلاً ؟ ومن يهتم بمدونة الأجندة الوطنية ، ومن يمنحها شيئاً من التوقف او يستحضرها في النقاش؟

وأزيدكم من الشعر بيتاً إن قلت لكم ، متسائلاً سؤال العارف ، كم واحد منكم قرأ كتاب رأس الدولة الأردنية الملك عبدالله الثاني " فرصتنا الأخيرة " الصادر عن دار الساقي في بيروت عام 2011 كي يفهم جوهر السياسة الأردنية في مرحلة ما بعد رحيل الملك حسين ؟ ومن منكم يعتبر أن أوراق الملك النقاشية الخمس ، كخطوط وطنية يُسترشد بها ، يُستنبط منها برامج عمل ، أو بإعتبارها دليل عمل تأخذ به الحكومات المتعاقبة وتهتدي به وسائل الأعلام الرسمية على سبيل المثال؟

وعليه ، في ظل ضبابية الصورة القائمة ، وغياب المرتكزات الفكرية والأعلامية اللازمة ، وحضور كل هذا الضخ الأعلامي من الفضاء الخارجي المفتوح على مداه الواسع ، أصبح المواطن الأردني عرضة لكل التقلبات السياسية ومدخلاتها الأعلامية وأدواتها التحريضية ، بما في ذلك أدوات الأعلام الحديثة ، الخارجة عن نطاق التحكم والسيطرة ، في زمن إنفجار ثورة المعرفة وثورة عالم الأتصالات الرقمية.

وتحضرني وأنا أتحدث عن الأعلام ، ملاحظة مفادها ، من أهم المتغيرات الكبرى في هذه المنطقة ، إنكفاء الولايات المتحدة الأميركية ، وتراجع دورها ، لصالح قوى إقليمية وأخرى دولية صاعدة ، وهو متغير بالغ الأهمية ، وله ما بعده من تداعيات كبيرة ، حيث أن هذا التراجع الأميركي الملموس في منطقتنا جاء في اعقاب هزائم واشنطن المتكررة في كل من افغانستان والعراق ، ومساهمتها العسكرية في إسقاط نظامي الحكم في العراق وليبيا ، وفشل سياساتها في التعامل مع ثورات الربيع العربي ، ناهيك عن إنخفاض أسعار النفط والأزمة المالية العالمية منذ عام 2008.

في مقابل هذا التراجع والإنكفاء الأميركي ، صعدت أربع دول إقليمية وازنة ، تسمى دول الطوق الخارجي، عملت كل واحدة منها على توسيع مجالها الحيوي بدأب شديد ، وزادت من تأثيرها على التوازنات الهشة في هذه المنطقة شديدة الرخاوة أصلاً ، وهذه الدول، من غير ترتيب حسب الأهمية ، هي:
1- المشروع الأستعماري التوسعي الأسرائيلي.
2- إيران عبر أحزاب ولاية الفقيه.
3- تركيا عبر حركة الإخوان المسلمين.
4- أثيوبيا في منطقة القرن الافريقي.

ليس صدفة أن إعلام العدو الإسرائيلي يُظهر حياده إزاء الصراع المحتدم في منطقتنا العربية ، ما بين تركيا وإيران وأثيوبيا ، يغمض عيناً ويفتح أخرى كالذئب ، تاركاً لها الأقتتال والتصفية و" أكل " بعضها بعضا ، حيث تقوم تل أبيب من وراء غلالة رقيقة بتغذية هذا الصراع والعمل على إستمراريته ، وإظهار نفسها وكأن لا علاقة لها به ، فيما يقوم الأعلام العربي بتوفير المواد البترولية اللازمة لإشعال الحريق الهائل ، لهذا الطرف أو ذاك بكرم وسخاء لا سابق لهما.

إذ تتول بأدوات الصراع الأعلامي ، الآن ، ثلاث شبكات كبرى ممولة ، كل على حدة ، من إيران والمملكة العربية السعودية وقطر ، ولذلك لا يستطيع المشاهد أن يرى مشهداً أو يسمع عن حدث ، ويرغب في أن يكوّن رأياً موضوعياً حوله ، بمعزل عن مشاهدة قنوات مثل العربية أو الجزيرة أو الميادين ، الأمر الذي يجعل من المتلقي لقمة سائغة لواضعي الرسالة الأعلامية المضمرة ، ويطوع إدراكه وفهمه ووعيه وموقفه ، على هذا النحو أو ذاك ، بما يخدم الجهة الممولة لهذه القناة أو تلك.

كان لينين قائد الثورة البلشفية في روسيا أوائل القرن العشرين يقول: أعطني جريدة أعطيك حزباً ، وأحسب أن هذا القائد الشيوعي البارز لو عاش في زماننا هذا ، أي في زمن ثورة الأتصالات الرقمية المتعاظمة ، لقال : أعطني قناة فضائية أعطيك حزباً جماهيرياً عظيماً ، خصوصاً إذا لمس أن تأثير بعض المحطات التلفزيونية أهم وأفعل من جيوش ودبلوماسية الدول المالكة لمثل هذه المحطات.

بكلام آخر ، فقد أصبح الأعلام إحدى أهم الأسلحة وأمضاها في عصرنا الراهن ، وربما أشدها فتكاً في أوقات الحروب والتوترات والنزاعات ، فما بلك إذا كان الحديث يدور عن القوة الناعمة في زمن السلم ، وكان النقاش يجري حول أدواتها ورسالتها وأهدافها القابلة للتحقق ، دون طعنة من رمح ، أو ضربة من سيف ، وذلك كله بأقل الأثمان ، ومن غير إسالة نقطة دم واحدة ؟.

ما أود قوله في ختام هذه العجالة شيئين واضحين وضوح الشمس في رابعة النهار :

أولهما أنه ليس في عصرنا هذا ما يسمى بإعلام محايد ناصع البياض، بما في ذلك أعلام الترفيه والمنوعات، فلكل وسيلة إعلامية ممول، ولكل ممول هدفان متزاوجان، أحدهما ربحي، والأخر سياسي، قد يكون مباشراً أو يتلطى من وراء ستار.

وثانيهما أن لدى كل وسيلة إعلام، عربية كانت أم أجنبية، رسالة لا تخطئها عين المشاهد الفطن، أو يغفل عنها عقل القارئ الحصيف، إذا تنقل بين أي من صفحات الصحف الصادرة اليوم، أو تابع اي من نشرات أخبار المساء المثقلة بالفيديوهات والتقارير المصورة.

غير أن ما ينبغي تسجيله مع الأسف الشديد، أن الإعلام الحزبي في بلادنا، منذ أن كان هذا الإعلام، ظل مفتقراً إلى المهنية والرشاقة والأحتراف، الأمر الذي أودى برسالة الأحزاب والقوى العقائدية، وأوهن من قدرتها على التواصل والتفاعل مع أوسع قطاعات الرأي العام، وربما هذا هو السبب في ضعفها المستمر، وفشلها المتواصل في الانتخابات الأخيرة، وأخص هنا الأحزاب القومية واليسارية التي أخفقت في إمتحان الأنتخابات النيابية بالأمس القريب على ظهر "الأساطيح".

وقبل أن أختم مطالعتي هذه التي تركز على الأعلام المسيس حصراً، أود أن ألفت الأنتباه إلى أمر جديد في فضاء الإعلام، الذي تواضعنا على إنه مجرد صحيفة أو راديو أو تلفزيون، في حين أن الإعلام الحديث، إن لم نقل الأعلام البديل، بات أوسع وأغزر وأدهى وأمر من الأعلام الكلاسيكي، وأعني به شبكات التواصل الاجتماعي بكل ما تبثه بلا انقطاع، من أراء وصور وأفكار على مدار اليوم، الأمر الذي يجعل من الشبكة العنكبوتية المتاحة بسهولة للجميع، أداة التواصل الأقرب إلى ايدي الناس كل الناس على وجه التقريب.

أشير إلى هذا المتغير الذي لم يلتفت إليه الجيل المؤسس للأحزاب العريقة، وقد لا يتعامل معه اساساً، كي أدعو بإخلاص إلى ضرورة الأهتمام بوسائل الأعلام الجديد هذا، والتعاطي معها كأداة فعالة من أدوات التواصل مع أجيال صاعدة ، لم تعد تعرف إلا شاشة الكمبيوتر على مدى الليل والنهار.

ختاماً، ليس من المبالغة القول أننا نعيش اليوم عصر الصورة ، التي جبت كل ما سبقها في أزمنة الأعلام السابقة من تقارير صحافية مكتوبة، ورسائل إذاعية مباشرة، فالمشاهد المنقولة من عين الحدث اولاً بأول صارت عنوان الحقيقة ، وغدت البرهان على صدقية الخبر ويقينيته ، حتى أن المعارك المبثوثة على شاشة التلفزيون أمست أهم من المعارك في الميدان ، وأن كسب الصورة وتكريسها في الأذهان أصبحت أهم من كسب المعركة في حد ذاتها، أي أن الصورة أضحت أهم من الأصل.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء