الأم تريزا قديسة.. علامة أمل وسط الآلام الكثيرة

الأم تريزا قديسة.. علامة أمل وسط الآلام الكثيرة

الأب منويل بدر - ألمانيا
2016/09/03

قالوا: وراء كلِّ رجل عظيم امرأة. وَلِما لا نقول وراء كل امرأة عظيمة رجل؟ نعم وراء الأم تريزا، المعروفة في كلِّ بلدان العالم، ذاك الرّجل العظيم، الّذي قالت عنه مريم العذراء "صنع بي عظائم" (لو 1: 49). يوم الأحد الموافق 04/09/2016 سيعلن البابا فرنسيس في حفل تقديس الأم تريزا قليلاً من كثير من العظائم التي دفع الله خادمته الأم تريزا على صنعها في حياتها.

الرجل المناسب في الوقت المناسب. كذلك المرأة المناسبة في الوقت المناسب. نعم لقد حان الوقت الّذي نعيشه، وكأن فيه ستكون نهاية العالم من المصائب والكوارث التي نشهدها، حتى تظهر لنا فيه هذه المرأة المناسبة، التي تبعث شعاع أمل بسيط فينا، أنّ الله لا يترك عالمه: "إني أعمل دائما وأبي أيضًا يعمل". إعلان الراهبة البسيطة الأم تريزا قديسة هو علامة أمل وسط الآلام الكثيرة التي نمرُّ فيها، أنّ الله يستعمل كل ما يدور ويجري حولنا لإظهار قوّته. هذه الحفلة تقول لنا إننا نقف أمام حقبة تاريخيّة جديدة. أما قال أشعيا "من الشرش المائت ستقوم حياة جديدة"؟ - ها زهرة من يسّى!

نحن شكورون للبابا يوحنا بولس الثاني، الذي أعلن هو أيضًا قدّيسًا بعد فقط بضع سنوات من وفاته. ألا نذكر أنّ الشعب طالب بإعلانه قداسته أثناء الإحتفال بجنازته. فاللافتات لا تزال أمام أعيننا والتي كانت تنادي بإعلانه "قديس حالاً!". نحن شكورون له لأنه ليس من بابا، لا قبله ولا بعده سهّل طريقة ووقت الإعلان عن قداسة الكثيرين ليُعطي الكنيسة أكثر ما يمكن من الأمثلة الحيّة، لكي لا ييأس ممّا يجري حواليه. فلقد سمح بالإبتداء بالتحضير لتطويب الأم تريزا بعد سنتين فقط من وفاتها. هكذا أيضًا كانت رغبة النّاس، خاصة الّذين عرفوا واشتغلوا مع الراهبة البسيطة تريزا في أفقر بقع العالم ومع المرذولين من كبار وصغار في جميع أنحاء العالم. قال أحدهم: هي لم تتزوّج ولم تٌنجب إبنا لها، لكنها أصبحت بقلبها ويدها أمّا للملايين.

ماذا عملت هذه الراهبة البسيطة حتى تستأهل هذه المكافأة وتُعلَن قديسة بل تصبح وسيطة وشفيعة لنا عند المسيح خالقنا ومخلّصنا بنفس الدّرجة كالأم مريم وبعد وقت قصير من موتها؟

ولدت تريزا في ألبانيا بتاريخ 26/08/1910 في عائلة مسيحية أصيلة فترعرعت في هذا الجو حتى أنها افتكرت مُبكِّراً في سنّ الثانية عشرة أن تصبح راهبة. وبعد تخرّجها من الثانوية دخلت في رهبنة قلب مريم واهتمت بتدريس الديانة. وبعمر السادسة والثلاثين أرسلتها الرّئاسة لتأسيس مدارس في الهند في كالكوتا والعمل فيها كمدرّسة. لكنها ما أن حطّت رحالها على هذه البقعة من الأرض الّتي تُعد وحتى اليوم من أفقر وأحوج مناطق العالم لكل مقوّمات الحياة البشرية بل وأوسخها حيث الأمراض على أنواعها منتشرة، فاهتزّ قلبها شفقة وقررت فورا ترك مهنة التدريس وتأسيس رهبنة جديدة تعتني بالفقراء والمعوقبن والمتروكين والأموات، أسمتها "مرسلات الرحمة الإلهية". قالت: ما شاهدت عيناي جعلني أبدّل عمل دعوتي من راهبة مُدرِّسة إلى راهبة لخدمة المحتاجين محبة بيسوع.

لقد تركت ثوب الرّهبنة الرّسمي، طبعًا بإذن الرّؤساء، واختارت لنفسها ولبنات رهبنتها الساري، ثوب الفتيات البسيط (بلونيه الأزرق والأبيض) في الهند. ومنذ تلك اللحظة باشرت بممارسة أقوال إنجيل المسيح بحذافيره: مهما عملتم لأحد هؤلاء فلي فعلتموه. إن ما قامت به تجاه المرضى والمحتاجين والفقراء والأموات من أعمال بطولية لا يستطيع قلم وصفها أو حصرها. سألها أحد الصحفيين عندما شاهد الأعمال البطولية الّتي كانت تقوم بها ساعة بساعة بين الروائح الكريهة الصادرة من مرضى البرص وجراحهم المعدية الفاسدة: هل لي أن أعرف كم هي أجرتك الشهرية لهذه الخدمات المستحيلة؟ إنني أنا نفسي لن أقبل أن أشتغل بثلاثين ألف دولار بالشهر. فأجابته: وأنا أيضا لا أقبل!. إن أعمالنا مجّانية. فاستغرب وسألها ثانية: لكن من أين لك هذه القوّة لتقومي بهذا كلّه؟ فاقتادته إلى الكنيسة وأرته المصلوب فوق الهيكل وقالت: من هذا!. نعم هذه قوة وسند مَن يعمل في المجالات الإجتماعية هذه. فلولا الصّلاة ومرافقة المسيح في هذا الحقل، لما وجد الإنسان لا القوة الكافية ولا الحماس الدّائم للعمل المتواصل وخدمة من هم فعلا بحاجة لمثل هذه الخدمة الّتي تبدو مُحتقرة.

نعم لقد تفطّر قلبها لمشاهدة الحاجات البسيطة للآلاف المؤلّفة من البشر في الهند، فلم تستطع أن تبقى متربّعة على كرسي التدريس بل حوّلت التدريس إلى العمل. من بعد تأسيس الرهبنة الجديدة انخرطت هي وبناتها ومع الوقت مع متطوّعين كثيرين، من جميع أنحاء العالم، في بناء ملاجىء وعيادات بسيطة للمرضى والمسنين والفقراء المتقعين والمصابين بالأمراض النفسية والعقلية. ولا ننسى أيضا إهتمامها بتجميع جثث الموتى الذين كان ذووهم يرمونهم ليلا على الشارع ودفنهم كما يليق بهم.

من أوّل الأعمال اليوميّة للرهبنة، أنها راحت ترسل الراهبات كل صباح وقبل طلوع الفجر إلى الطرقات لتجميع المنازعين والمرضى والموتى والغير مرغوب فيهم، الّذين كان ذووهم يرمونهم ليلة بعد ليلة على حافة الشوارع أو مفترقات الطرق الضيقة. كانت الراهبات يقمن بحملهم إلى بيوت المرضى والعجزة ويقمن بخدمتهم بتضميد جراحهم وتعزيتهم وتنظيفهم وإطعامهم. هذا وقد توسّعت مثل هذه البيوت بفضل التّبرعات التي كانت تصلها من كلّ بقعة على وجه الأرض. ثم فتحت لها فروعا حيثما سمعت عن مثل تلك الحاجات لتأوي فيها المتضررين في الحروب والمناوشات والعجزة والأطفال والمهملين.

لقد حان الوقت لمكافأتها عن إنجازاتها الخارقة وخدماتها الإنسانية النّادرة. لقد حان الوقت للإعتراف بأفضالها وفضائلها المثالية. لقد حان الوقت لإعلان قداسة سيرتها وإشهارها للملى أجمع للإقتداء بها. لقد حان الوقت ليعرف البشر ما هي الدّيانة التي تنادي بخدمة الإنسان وتجسيدها عمليا بأشخاص يختارهم الله من بيننا ليشهدوا للحق والرحمة والمحبة والأخوة والسلام. هذي هي الأم تريزا.

أمّا للوصول إلى هذا التكريم والكرامة الإلهية فلا بدّ من المرور في مرحلتين: هما مرحلة التطويب أوّلاً ثمّ مرحلة التقديس. مرحلة التطويب التي تسبق إعلان التقديس، فهي بمثابة إعطاء ضوء أخضر للبداية في التمحيص والتفتيش الدّقيق عن حياة وأعمال المعني وذلك لإمكان تقديمه وتقديم حياته للإقتداء بها. لقد تمّ بفضل قداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني تقصير البداية بهذه المرحلة. ولبداية التحضيرات لها لا بدّ من إثبات أعجوبة بشفاعة المعني. وهذا ما حدث بشفاعة الأم تريزا واعترفت به الكنيسة، وذلك بعد سنتين فقط من موتها أي عام 1999 فقد حدثت أعجوبة لإحدى المتعبّدات لها وهي امرأة هندية كانت تشارف على الموت من مرض السرطان العضال الّذي كان يهدد حياتها، فظهرت لها الأم تريزا في الحلم وشفتها منه لتقوم بأعباء عائلتها. فأمر البابا يوحنا بولس الثاني بفتح قضيّة تطويبها وقد أعلنها هو نفسه طوباوية عام 2003. هذه الدّرجة السّايقة لإعلان القداسة تعني السّماح بالتّعبد الرّسمي لهذا الشخص في بلده وأبرشيّته وبين أهله وأصحابه أو في مكان عمله. وهو عمل يدلّ على عرفان الكنيسة لمن يمضي حياته بالتضحية وخدمة القريب.

وأمّا درجة التّقديس فتعني الإعتراف بالمعني في جميع أنحاء العالم وإعلان حياته وفضائله مثاليّة للجميع. يأتي ذلك بعد التدقيق والبحث ودراسة كل تفاصيل حياته لكي تستطيع الكنيسة تقديم صورة لا غش ولا خداع فيها عن حياة المعني وتنصح بتكريمها كقدوة للبشر. هذا وتُعيّن لجنة لمتابعة كل ما قيل وكتب ووجد عن المعني. وبالتالي طلعت لجنة التّحقيق عن حياة الأم تريزا بأحسن النتائج عن سيرتها المثالية واقوالها وأفعالها، التي كانت تشهد عن خلقيّتها العليا أثناء حياتها لكل من عرفها أو سمع عنها. لقد امتازت بروحها الخدومة وتضحياتها اليوميّة في سبيل إدخال السّعادة في نفوس من كان لهم علاقة معها في العمل والصلاة، التي كانت قوتها الخارقة لإنجاز ما كان فوق طاقتها البشرية في خدمة المعوقين والمشوّهين والغير مرغوب فيهم.والحزانى والمشوّهين...

إن الوصول إلى هذه الدّرجات في حضن الكنيسة ليعني تقدير المعني ومنحه اعلى المكافآت الممكنة للنجاح الّذي حقّقه في حياته لمنفعة المجتمع أو الوطن الأم أو أية مؤسسة مهمة، كما يُكافأ الرّياضي أو الجندي لخدمة برز فيها، بالفرق الوحيد أن مكافأة الرّياضي أو الجندي هو شيء فريد يُمنح لعمل واحد نجح فيه في حياته مثلا أثناء الألعاب الأولمبية، ثمّ ينساه العالم إذا ما جاء غيره بنجاح مشابه وبتفوّق. بينما منح المعني لقب القداسة فمرتبط ببطولة حياته ويومياته وأعماله الخاصة والجماعية كاملة، إذ المطلوب منه أن يكون مثالا حيّا للجميع ولكل وقت. هو يعطي وجها دائما لتعليم الإنجيل. مطلوب منه التقوى والتخلي عن المصالح الخاصة بل تفضيل الآخر على نفسه، إذ ليس لأحد حبّ أعظم من أن يضحّي الإنسان بحياته لأجل أحبّائه.

فإعلان شخص طوباوي أو قدّيس هو الإعتراف بمنجزات الحياة في خدمة الله والمجتمع والقريب ومكافأته عليها بأنه استحقّ بفضلها الحصول على هذا اللقب الرّفيع، كما قال بولس "جاهدتّ الجهاد الحسن وما بقي لي إلاّ الحصول على إكليل المجد الذي يهبه لي الرّب الدّيان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الّذين يحبّون ظهوره أيضًا" (2 تيمو 4 : 7).

هذه الأعمال إن دلّت فعلى حسن نيّة صاحبها وإظهار شخصيّته الحقيقية والغير مُزوّرة، وهذا يعني تشغيل نعمة العمّاد والتثبيت المُعطاة لنا، وهذا دليل مقنع على أنّ الله الّذي أحب العالم، لا يزال يعمل فيه ويحبّه ويخدمه بصورة مرسليه، وأنَّ الإنسان المؤمن هو صورة الله في هذا العالم، وأنّ الله بحاجة له: "من يؤمن بي فالأعمال الّتي أنا أعملها يعملها هو أيضا ويعمل أعظم منها"(يو14: 12).

القديسون هم صورة الله المرئيّة، كما قال لتلاميذه: "من رآني فقد رأى الآب"(يو 14: 9). بإعلان القداسة تعترف الكنيسة بإيمان وأخلاق هذا الشّخص الّذي يصلح أن يكون مثالا يُحتذى ويُسار على خطاه وتعاليمه وأفعاله إذ هي مستمدّة من تعاليم وأمثال المسيح في الإنجيل "إني أعطيتكم مثلا حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم كذلك"(يو 13: 15).

إن أعمالهم تتبعهم. إن ما قامت به الأم تريزا في حياتها تجاه الفئة المرذولة في أفقر بقعة على الأرض هو فريد وخارق وبطولي ولذا تكافأها الكنيسة اليوم وتسجِّل اسمها في عداد القدّيسين. الأم تريزا مؤسسة مرسلات الرحمة في سنة الرحمة هذه، قد أرتنا أن المسيح هو فعلا في هذه الفئة من الناس. فكم وكم من آلاف البشر وجدوا العزاء بين يديها وفي مؤسساتها المتشعّبة في كل أنحاء العالم حتى جعل منظّمة السّلام تعترف ببطولاتها وتمنحها جائزة السّلام لعام 1979. من نالوا هذه الجائزة تفننوا بإلقاء خطاباتهم ليصبحوا مشهورين أكثر وأمّا الأم تريزا فألقت خطابا ارتجاليّا مؤثّرا ومن أبسط ما ألقي في مثل هذه المناسبة. هذا وقد كانت أحضرت معها نص صلاة القديس فرنسيس "يا رب! إجعلني وسيلة سلام بين يديك" وزّعته وصلّته مع الحضور من ملوك وشخصيات وحاملي ألقاب الجوائز. مما كان له الأثر الكبير في كثير من نفوس وقلوب الحاضرين.

إنه لفخر لنا نحن الكاثوليك، أن كنيستنا تستطيع أن تُقدِّم لعالمنا اشخاصا مثل الأم تريزا والبابا يوحنا بولس الثاني، لا يعرفون إلاّ التّفاني والمحبة والإهتمام بالمعوقين في أوقات لا تعرف إلا القتل والتشريد مثل هذه الأيام. إذ القديسون هم أُناس تٌشرق شمس المسيح فيهم على الأرض. نحن مدعوّون أيضا للسير على هذا الطّريق. فمن ينسى كلمة القديس أغسطينس: ما قدر عليه هؤلاء فأنا أيضا أقدر عليه!

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء