الأحد الرابع عشر بعد العنصرة

الأحد الرابع عشر بعد العنصرة

الأب بطرس ميشيل جنحو - عمان
2017/09/07

فصل شريف من بشارة القديس متَّى

(متى 22: 2–14)

قال الربُّ هذا المثل. يُشبه ملكوتُ السماوات انسانًا ملكًا صنعَ عُرسًا لابنهِ * فارسل عبيدهُ ليَدعوا الَمدعُوّين الى العرس فلم يُريدوا أَن ياتوا * فأرسل ايضًا عبيدًا آخرين وقال قولوا للمَدعوّينَ هوذا غَدائي قد أَعْدَدتهُ. ثيراني وَمُسَمناتي قد ذُبحَتْ وكلُّ شيء مُهَيأٌ * فهلمُّوا الى العرس * ولكَّنهُمْ تهاوَنوا فذهب بعضُهم الى حقلهِ وبعضُهم الى تجارتهِ * والباقون َقبَضوا على عبيدهِ وشتَموهم وقتلوهم * فلمَّا سمع الملك غضِب وارسل جنودَهُ فأَهلك اولئِك القَتَلةَ وأحَرقَ مدينتهم * حينئذٍ قال لعِبيدهِ امَّا العرسُ فمُعَدٌّ وامَّا المدَعُوُّون فلم يكونوا مستحقّين * فاذهبوا الى مفارقِ الطُّرقِ وكلُّ من وَجَدْتموهُ فادْعوهُ الى العرس * فخرج اولئكَ العبيدُ الى الطرُقِ فجمَعوا كلَّ مَن وجدوا من اشرارٍ وصالحينَ فحفَل العُرسُ بالمتكئين * فلَّما دخل الملِكُ لينَظُرَ المتكئين رأَى هناك انسانًا لم يكنْ لابسًا لبِاسَ العرس * فقال لهُ يا صاحِ كيف دخلتَ الى ههنا وليس عليك لباسُ العرس. فصمت * حينئذ قال الملكُ للخُدَّام أَوثقوا يَدَيهِ ورجَّلَيهِ وَخُذوهُ واطْرَحوهُ في الظلمةِ البرَّانيَّة. هناك يكونُ البكاء وصَريفُ الأَسنان * لانَّ الَمدْعَوّين كثيرون والمختارين قليلون.

بسم الآب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين.

يقدم لنا السيد المسيح ملكوت السموات بكونه عرساً صنعه ملك لابنه، ومع ذلك كان العرس ثقيلاً على المدعوين "الذين لم يريدوا أن يأتوا". إنهم لم يكونوا مدعوين للمشاركة من بعيد كمتفرجين ولا مجرد أصدقاء، وإنما كعروس تتحد بالإبن العريس على مستوى أبدي. أنها دعوة للدخول إلى الفرح الدائم بلا انقطاع.

ولأن المدعوِّين الأوائل رفضوا الحضور قال في دعوته الثانية: "هوذا غذائي أعددته. ثيراني ومسمناتي قد ذُبحت، وكل شيء مُعَدُّ تعالوا الى العرس.ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد الى حقله واخر الى تجارته"
قال إنهم لم يُبالوا بدعوته، فمنهم من ذهب إلى حقله، ومنهم من ذهب إلى تجارته. أن تذهب إلى حقلك يعني أن تُقحِم نفسك إقحاماً مُفرطاً في السعي الأرضي. وأن تذهب إلى تجارتك يعني أن تشتهي الربح المُتأتي من نشاطاتك الدُنيوية. الأول مُهتمُّ بالسعي الأرضي، والآخر مُتفانٍ في عمل هذا العالم. ما من أحد منهم يلحَظُ سر تجسد الرب، ويبتغي العيش بما يتماشى معه. كأنهم في إقبالهم على حقلهم أو تجارتهم، يرفضون حُضور وليمة عُرس الملك. البعض لا يرفضون عطيَّة الذي يدعوهم فحسب، إنما يضطهدون من يَقبلها. لذلك أضاف قائلاً: "والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم. فلما سمع الملك غَضَب، وأرسل جُنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم". الله يُهلك القتلة والمُضطهدين، ويُحرق مَدينتهم، أي أرواحهم ويُعذب أجسادهم بنار جهنم الأبدية.

اعتذارُ المدعويّن عن الحضور لم يَحمِل رب البيت على ترك وليمة عُرس ابنه الملك خاوية من الضيوف. أرسل يدعو غيرهم. فمع أن كلمة الله في خطر، إلاَّ أنها ستبلُغُ الراحة. قال لخدامه: "الوليمة مُهيأة، والذين دعوناهم كانوا غير مستحقين، فاذهبوا إلى مفارق الطُرق وادعوا إلى الويمة كل من تجدونهم". إذا اعتبرنا أن الطُرق في الكتاب المقدس تُشير إلى أعمالنا، فإن مفارق الطرق هي أعمالنا الساقطة. فالذين لا ينجحون في أعمالهم الأرضية غالباً ما يتوبون بسرعة إلى الله.

وخرج خدامه إلى الطرق وجمعوا كل من وجدوا من أشرار وأخيار فامتلأت وليمة العُرس بالمدعوين. إنَّ خصائص المُتكئين في الوليمة تَكشفُ بوضوح عن أن وليمة عُرس الملك تُمثِّل كنيسة هذا الزمن حيث يجتمع الأشرار والأخيار. الكنيسة مزيجٌ جامعٌ من أمم مُتنوعة. فهي تقودهم جميعاً إلى الإيمان. لكنها لا تقودهم كلهم إلى حُرية النعمة الروحية بنجاح بسبب التَّحولات في حياتهم، فخطاياهم تعيقهم. ولأننا نعيش في هذا العالم وَجَبَ علينا سلوك طريق الدهر الحاضر مُجتمعين أبراراً وأخياراً. ستتم عملية الفرز بينهم عندما نبلُغُ هدفنا: الأخيار في السماء، والأشرار في الجحيم. هذه الحياة قائمة بين السماء والجحيم. فهي تمتدُّ في الوسط إن جاز التعبير وتضمُّ الفئتين. الكنيسة تقبلهم الآن من غير تفريق، لكنها تُغربلهم لاحقاً عند يوم الدينونة العظيم.

لكن، بما أنكم دخلتُم إلى قاعة العُرس، إلى كنيستنا المُقدسة، بسبب سخاء الله، فاحرصوا، يا إخوة، على أن لا يجد الملكُ عند دخوله عيباً في مظاهر ملابس قُلوبكم. يجب أن نقبل في قلوبنا ما يأتي مُستقبلاً بخوف عظيم. ودخل الملك لينظر إلى المدعوّين، فرأى هُناك رجلاً لم يكن لابساً لباس العُرس.

ما هو، يا إخوتي الأحباء، معنى لباس العُرس؟

فإن قلنا إنه المعمودية أو الإيمان، فهل دخل أحدٌ إلى احتفال العُرس بدونهما؟

يبقى خارجاً الشخص الذي لم يؤمن بعد.

علينا أن نفهم أن لباس العُرس هو المحبة.

قد يدخل ابن الكنيسة احتفال العُرس بدون أن يلبس لباس العُرس. ربما كان مؤمناً، لكنه كان عارياً من المحبّة.

فنحن على صواب إذا قلنا إن المحبة هي لباس العُرس، لأن هذا ما تحلَّى به الخالق نفسه حين جاء إلى احتفال العُرس ليضم الكنيسة إليه. وَحدَها محبة الله تحقَّقت بأن ضمَّ ابنه الأوحد قلوب مختاريه إلى نفسه. إذ يقول يوحنا: "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنهُ الوحيد".

بالنسبة للتلاميذ الأولين كانت مسألة الاختيار حقيقة إلى حدّ أن من أشهر الألقاب التي دعي المسيحيون بها كان لقب "المختارين." لقد درجت هذه التسمية، واستعملها يسوع وتلاميذه، حتى إننا نجد أنفسنا مضطرين للاعتراف بأنها كانت تسمية دارجة ومقبولة، ولم يكن المسيحيون الأولون في حاجة لمن يفسّرها لهم. وعند تحليل جميع المقاطع في العهد الجديد حيث ترد كلمة "مختارين" نجد أنها مستخدمة ستة عشر مرة على الأقل وتعني في كل مرة إتباع المسيح كأفراد. إلا أنه في ثلاث من تلك المرات ربما قصد بالكلمة الكنيسة.

يجب ألا نقلل من أهمية استخدام هذه الاصطلاحات التي تصف أتباع المسيح الحقيقيين. إذا بحثنا عن عدد المرات التي استخدم فيها كل من الكلمات التي تدور حول هذا المعنى نجد أن كلمة مختارين تجيء في المرتبة الثالثة بعد الكلمتين "تلاميذ" و"قدّيسين". إن استعمال الكلمة بهذه الكثرة في العهد الجديد، مضافاً إليها العلاقات التي تؤيد المعنى بأكثر وضوح وقوة، يبيّن أن المسيحيين الأولين بشكل عام كانوا يعتبرون الاختيار موازياً للخلاص، أي أن المخلّصين هم أنفسهم المختارون. عندما نلاحظ، إن "الاختيار" هو التعليم الموجود في كل طاق في حبل فكر العهد الجديد، ندرك أن هذه كانت الفكرة العامة وليست أمراً انفرد به أحد كتّاب العهد الجديد. ظن كثيرون أن الاختيار هو التعليم الخاص بالرسول بولس.

تدلّ الأناجيل الثلاثة الأولى على أن فكرة "الاختيار" كانت حقيقة أساسية في تعاليم يسوع. إن كثيراً من الآيات التي ترد فيها كلمة "مختارين" أو "ينتخبون" هي من أقوال يسوع.

أحبائي الكل مدعو إلى هذا الفرح، لنخلع عنا إنسانا العتيق ونلبس الجديد كي نكون أعضاء فاعلين في جسم الكنيسة المقدسة تاركين من وراءنا مغريات هذا العالم.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء