الأحد الذي بعد عيد ميلاد المسيح

الأحد الذي بعد عيد ميلاد المسيح

الأب بطرس ميشيل جنحو
2017/01/05

فصل شريف من بشارة القديس متى
(متى 2: 13–23)

لما انصرف المجوسَ اذا بملاكِ الربّ ظهر ليوسفَ في الحلم قائلاً قُم فخُذِ الصبيَّ وامَّه واهرَب الى مصرَ وكُن هناك حتى اقولَ لك * فانَّ هيرودس مُزمعٌ ان يطلب الصبيَّ ليُهلكهُ * فقام واخذ الصبيَّ وأمَّهُ ليلاً وانصرف الى مصر * وكان هناك الى وفاة هيرودس ليتمَّ المقول من الربّ بالنبيّ القائل: من مصر دعوت ابني * حينئذٍ لَّما رأَى هيرودس انَّ المجوسَ سخروا بهِ غضب جدًّا وارسل فقتل كلَّ صبيانِ بيت لحم وجميعِ تخومها من ابن سنتينِ فما دونَ على حسب الزمان الذي تحقَّقهُ من المجوس * حينئذٍ تمَّ ما قالهُ ارمياءُ النبيُّ القائل: صوتٌ سُمع في الرامةِ نوحٌ وبكاءٌ وعويلٌ كثيرٌ . راحيل تبكي على اولادها وقد أَبَت أن تتعزَّى لانهَّم ليسوا بموجودين * فلمَّا مات هيرودوسُ اذا بملاكِ الربِّ ظهر ليوسف في الحلمِ في مصرَ قائلاً: قُم فخُذِ الصبيَّ وامَّهُ واذهب الى ارض اسرائيل فقد مات طالبو نفسِ الصبي * فقام واخذ الصبيَّ وامَّهُ وجاء الى ارض اسرائيل * ولَّما سمع ان ارشيلاوُس قد ملكَ على اليهودية مكانَ هيرودوس ابيهِ خاف ان يذهبَ الى هناك وأُوحيَ اليه في الحلم فانصرف الى نواحي الجليل * واتى وسكن في مدينةٍ تُدعَى ناصرة ليتمَّ المقول بالانبياء إنَّهُ يدعَى ناصريًّا.

بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين

وقع اضطراب عظيم في أورشليم، بسبب ظهور قومٍ غرباء في أورشليم آتين من المشرق، كانوا على ما يرجَّح من أهل العِلم والرُّتب الرفيعة اسمهم المجوس. ولا يقال من أي مشرق أتوا: أمن بلاد فارس أم الهند أم بلاد العرب؟ ولا يُقال كم كان عددهم: هل إثنا عشر حسب بعض التواريخ، أو ثلاثة حسب الرأي الغالب. والذين يصرُّون على أنهم ثلاثة يبنون حكمهم على أن تقدماتهم كانت من ثلاثة أنواع. ويحسبون أنهم مثَّلوا أقسام البشر الثلاثة: أي بني سام وبني حام وبني يافث، كما مثَّلوا أقسام العمر الثلاثة أي: الشباب والرجولة والكهولة.

لكن قدوم هؤلاء المجوس أوقع اضطراباً عاماً بسبب السؤال الذي سألوه وغرضهم من هذه الزيارة. كان سؤالهم: "أين هو المولود ملك اليهود؟ لأننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له".

ولا بد أن هيرودس دعا المجوس إلى قصره ليعرف منهم موعد ظهور النجم. ونعتقد أنه كان يهينهم ويعذبهم ويهلكهم لولا مَكْره الذي أوعز إليه أن يستخدمهم لإهلاك المولود الجديد الذي يهدد عرشه، فأخفى عنهم غيظه وأرسلهم إلى بيت لحم، ثم بمزيد الخبث والمكر أوصاهم: "أن يفحصوا بالتدقيق عن الصبي" وبمنتهى الرياء قال: "ومتى وجدتموه فأخبروني لكي آتي وأسجد له" فقدَّر لنفسه يوماً قريباً فيه يأخذ من المجوس الخبر الذي طلبه منهم، فيذهب بنفسه متظاهراً بقصد السجود، ليقتل الصبي، وربما المجوس أيضاً الذين أزعجوه.

ونلاحظ أنهم لما دخلوا البيت الذي هداهم النجم إليه لم يسجدوا إلا للطفل، وقدموا له وحده الهدايا، فقدَّموا مُرّاً ناسب مقام هذا الطفل ، ولباناً وافق مقامه الكهنوتي، وذهباً لائم مقامه الملكي.

ولكن بالرجوع إلى رموز الكتاب المقدس، يمكننا أن نستدل على ما تضمنته تلك الهدايا من معان. ومدلولات نبوية فزيارة المجوس أن مُلك المسيح سيكون، ليس على اليهود فقط، بل على الأمم أيضًا. وهذا ما سيتم في المستقبل، في الملك الألفي. أما هداياهم (الذهب واللبان والمر) ففيها رمز جميل إلى المستقبل الذي فيه سَيُقَدْمُ ملوك الأمم هداياهم للرب وقت الملكوت.

كما أن الذهب فيه الدلالة على مجده الإلهي. واللُبَانْ على كماله الإنساني. والمر على آلامه.

كم فرح المجوس برؤية هذا الطفل الذي رأوا نجمه أولاً في مشرقهم البعيد. لقد حصلوا على نور جديد يفوق كثيراً الأجرام السماوية التي كانوا يراقبونها. وهذه نتيجة اهتمامهم بالدين، لذلك أُوحي إليهم في حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس، فانصرفوا في طريق أخرى إلى كورتهم.

يعيدنا الإنجيلي متى في هذه القراءة، إلى اليوم الَّذي دعا الله ابنه، "من مصر دعوت ابني"، شعب الله المولود من إيمان الخروج (خروج الشعب العبراني من مصر واجتيازه البحر الأحمر - الفصح اليهودي)، ليتمم الله وعده لإبراهيم "بِنَسْلِكَ ستتبارَكُ الأُمَم"، وجاعِلًا من موسى كلمته وشريعته على الأرض، حتى يأتي هو أخيرًا بنفسه، مرسلاً ابنه مخلصناأخيرًا ليخرج كلمته إلى كل الشعوب، إلى كل المسكونَة، لتنال بنوّتها مباشرة من الابن الأوحد يسوع المسيح.

لقد رأينا تواضع السيد له المجد يولد ويقمط ويوضع في مذود. وكيف هربوا بالطفل إلى أرض مصر. ولكن المسيح هو الفادي والمخلص الذي به تتبارك الأمم. اختلطت أصوات التهليل والتسبيح والتي نرفعها إلى ملك المجد. الطفل الإلهي المولود من البتول في مدينة بيت لحم.

المسيح يأتي، ليقول أمرًا وحيدًا: أنا معكم دائمًا. وأريدكم أن تكونوا معي دائمًا. سِحْرُ هذه المعيّة لا يُفهم نظريًّا، بل بتصديق قائلها. والله صادق (رومية ٣: ٤). المسيح أتى، فصدقت مواعيده (رومية ١٥: ٨). أتى، ليبقى معنا دائمًا، وتبقى "عينُهُ علينا طوال أيّام حياتنا".

عيد الميلاد هو عيد مجيء ابن الله إلى العالم. والمسيح أتى. وهو، في لاهوتنا، الآتي دومًا. ننتظره. نستقبله. ونبقى على فعلَيْ الانتظار والاستقبال اليوم وفي كلّ يوم. يأتي المسيح، في العيد، ليقول لنا إنّه حاضر. كان حاضرًا دومًا. وكشف نفسه، في "ملء الزمان"، ليفدينا من الزمان.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء