الأحد "الجديد": قلوب يفعمها الضياء، وثياب بيضاء

الأحد "الجديد": قلوب يفعمها الضياء، وثياب بيضاء

الأب د. بيتر مدروس
2017/04/20

يستمرّ فرح عيد القيامة مختلطًا بدموع الحزن على ضحايا العنف والاحتساب والفخر بشهداء الإيمان من كل الأديان. ويشكر المرء من صميم القلب لهذا المنبر الأغرّ تكرّمه بنشر كلمات من بعض رؤساء أبرشياتنا في المدينة المقدسة ومقالات أخرى بنّاءة عن معاني عيد الفصح المجيد. ويُشرح صدر المرء للمقالات والرّسائل المؤثّرة حيث تتألق أصالة العقيدة المسيحية والفرحة الفصحيّة والشهادة للقائم من بين الأموات، ابن بلادنا الحبيبة. وفي هذا الأحد "الجديد" يخلع المعمّدون الجُدد الثّياب البيضاء التي توشّحوا بها يوم تنصيرهم، وخصوصًا ليلة سبت النور إلى أحد القيامة السيّديّة المجيدة إذ تحيي تلك الليلة المقدّسة ذكرى انتقال يسوع من ظلمة القبر إلى نور الشّمس والحياة، مثالاً مجازيًّا لعبور الموعوظين من ظلمة الشّرك أو الإلحاد أو الدّيانة التلموديّة إلى هُدى الإنجيل الطّاهر ونوره.

وفي هذا العيد "الكبير" مثل عيد الميلاد، يلحظ المرء بحزن غياب الاحتفال بالعيدين المميّزين في كتابات القوم المتأثرين بحركات أمريكية حديثة تتوهم أنها مسيحيّة ولكنها لا تحتفل بأي عيد مسيحيّ بل ببعض الأعياد اليهوديّة ولا سيّما الرّابع عشر من نيسان قمري أي عبريّ. يتجنّبون في مقالاتهم ومنشوراتهم أيّ ذِكر للأعياد المسيحيّة بل يحاربونها ويعادونها ويسخرون من المحتفين بها تجنّب اليهود المتديّنين المتشدّدين لها واستهزاءهم بها، وقد تلمذوا للكتابات التلمودية الحاخاميّة من حيث لا يعلمون. وأمام أولئك الذين وصف مار بولس أسلافهم بـ"الإخوة الكذبة"، يقف إيماننا الرّسوليّ العريق، مع القبر المقدّس الفارغ، ثابتًا صامدًا، إذ بغير الإيمان بالقيامة السّيديّة يكون "إيماننا باطلاً وتكون بشارتنا فارغة" (1 قورنثوس 15: 14). ولا نكتفي نحن المسيحيين بشهادة الميثاق القديم (عن أشعيا 43: 10-12) بل نتمّم على مثال الرسل وبعدهم الوصيّة السيّدية: "لي سوف تكونون شهودًا في أوروشالم وفي كلّ اليهوديّة والسّامرة وإلى أقاصي الأرض" (أعمال الرّسل 1 : 8). فالّذين بقوا في الشّهادة المشار إليها في نبوّة أشعيا يهود غير مسيحيّين، كأنّ المسيح ما أتى.

وإذا تذرّع أحد أنّ "لا وصيّة للاحتفال بعيد الفصح"، بخلاف "العشاء التّذكاريّ" الذي "يجب أن تحتفل (به) بهذه المناسبة، إطاعة لهذه الوصيّة" (حسب قورنثوس الأولى 11: 2، ومتّى 26: 26 وتابع)، فإنّ الرسالة الأولى نفسها إلى القورنثيين، من رسول الأمم الإناء المختار، تأمر وتوصي، بلا لفّ ولا دوران، بالاحتفال بعيد الفصح، فصح المسيح وهو الحَمَل الفصحيّ، أي عبوره من الموت إلى الحياة: "قد ذُبح (في المجهول) المسيح فصحنا (أي حَمَلُنا الفصحيّ)، فلنعيّد لا بخمير الخبث والفساد بل بفطير الخلوص والحقّ" (1 قور 5: 5-8). ويشير القديس بولس إلى أنّ الفصح المسيحي متزامن مع الفسح العبريّ تقريبًا في نفس الفترة، ولكن بمفهوم روحانيّ يشمل الإنسانية جمعاء وبمعاني مجازيّة للحمَل الفصحيّ والخبز الفطير والأعشاب المُرّة. والنّتيجة واضحة لأولي الألباب: إطاعة للوصيّة السيّديّة والرّسوليّة يجب الاحتفال بعيد الفصح، فصح المسيح، الفصح المسيحيّ الّذي هو من أحد العناصر المصيريّة الجوهريّة الّتي تميّزنا عن اليهوديّة. أمّا آلام المسيح فتمّت سنة 30 للحساب الميلاديّ.

مثال منير من دولة الإمارات العربيّة المتّحدة

يبدو أنّ أحد الشّيوخ أو الأمراء يتوجّه كلّ عيد فصح، في أبو ظبي، إلى الكنيسة القبطيّة للتبريك والمعايدة. وكانت هذا العام زيارة معالي الشّيخ نهيان مبارك آل نهيان، ابن سموّ الأمير، مأثورة مؤثّرة أعربت عن سماحة أصيلة ومودّة أثيلة. قال من صميم القلب كلمة بليغة جعلت العيون تفيض دموعًا. بدأ معاليه خطابه العفويّ الصّادر عن الفؤاد بالتّعبير عن "حيرته من أمره" هذه السّنة، وهو متردّد بين المعايدة والتّهنئة من ناحية، والتّعزية والمواساة من ناحية أخرى. وأشار إلى ضحايا الكنيستين القبطيّتين في طنطا والإسكندريّة مستنكرًا "العبث بأرواح النّاس" واستهداف "الوحدة الوطنيّة" منذ قرون، في مصر. وما تردّد معاليه أن يشيد بفضل الأقباط على وطنهم مصر وفي وجودهم في الإمارات،التي تسعى كي تستمرّ أن تكون "دولة رائدة في التّآخي والتّواصل، في إطار احترام الحقوق وتأدية الواجبات، على نحو ينشر السّلام والمودّة والتّعايش والتّسامح ، في تجسيد أفضل وأنبل القيم الدّينيّة والإنسانيّة، وإرساء الحقّ وتعظيم الأخلاق الكريمة ورفع لواء السّلام لا المجازر والآثام".

خاتمة

قطع كلام الشّيخ نهيان مبارك آل نهيان "قول كلّ خطيب". وإذ يشكر المرء لمعاليه عميق مودّته وبليغ كلمته وسديد رؤيته، يرجو أن يسود التعايش والتناغم والتلاقي "بلاد العرب أوطاننا" بالمودّة بين المسلمين والمسيحيّين الذين ليسوا فقط مواطنين ومنهم أيضًا وافدون، بل لأنّ النّصارى "أقرب النّاس مودّة للّذين آمنوا" (اقتباس غير حرفيّ عن سورة المائدة 83). ويا ليتنا جميعنا "نعبر" بنفوسنا "الأمّارة بالسّوء" من "عبادة المال" –وهي شِرك- إلى الديانة "الطاهرة الزّكيّة" حيث "الدّين المعاملة" والسّموّ فوق متاع الدّنيا عربون للمحبّة والألفة والقناعة وإرادة الخير للقريب وللجار وللبعيد والمستضعف في الأرض، سعيًا إلى رضى الرّحمان وخدمة الإنسان!

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء