الأحد الثامن من لوقا

الأحد الثامن من لوقا

الأب بطرس ميشيل جنحو - عمان
2017/11/23

فصل شريف من بشارة القديس لوقا
(لوقا 10: 25-37)

في ذلك الزمان دنا الى يسوعَ ناموسيٌّ وقال مجرباً لهُ يا معلّمُ ماذا أَعمل لأرِثَ الحياةَ الابديَّة * فقال لهُ ماذا كُتِبَ في الناموس. كيف تقرأُ * فاجابَ وقال أحبِبِ الربَّ الَهكَ من كلِّقلبِك ومن كلّ نفسِك ومن كلّ قدرتكِ ومن كلّ ذهنِك وقريبَك كنفسِك * فقال لهُ بالصواب أجبتَ. اعمل ذلك فتحيا * فاراد ان يزكّي نفسَهُ فقال ليسوعَ ومَن قريبي * فعاد يسوع وقال كان انسانٌ منحدرًا من اورشليمَ الى اريحا فوقع بين لصوصٍ فعِرَّوهُ وجرَّحوهُ وتركوهُ بين حيٍ وميّتٍ * فاَّتفق أَنّ كاهنًا كان منحدِرًا في ذلك الطريق فأَبصرَهُ وجاز من أمامهِ * وكذلك لاوِيٌّ واتى الى المكانِ فأَبصرَهُ وجازَ من امامهِ * ثمَّ إنَّ سامريـَّا مسافرًا مرَّ بهِ فلمَّا رآهُ تحنَّن * فدنا اليهِ وضَمدَ جراحاتهِ وصَبَّ عليها زيتًا وخمرًا وحملهُ على دابَّته واتى بهِ الى فندقٍ واعتنى بأَمرهِ * وفي الغدِ فيما هو خارجٌ أخرَج دينارَين واعطاهما لصاحِبِ الفندق وقال لهُ اعتَنِ بأَمره. ومهما تُنفِق فوقَ هذا فانا ادفعهُ لك عند عودتي * فايُّ هؤُّلاء الثلاثةِ تحسَبَ صار قريبًا للذي وقع بين اللصوص * قال الذي صنع اليهِ الرحمة. فقال لهُ يسوع امضِ فاصنع أنتَ ايضًا كذلك.

بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين.

ناموسيٌ أتى إلى الرب سائلاً: "ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟"، فكان الجواب " أحبب الربَّ إلهك من كلِّ قلبك ومن كلِّ نفسك... وقريبك كنفسك"، سأله عن الحياة الأبدية فكان الجواب أحبِبْ...! وكأنَّ الحياة هي الحبّ، وبدون المحبة يحل الموت وتبطل الحياة! ولكي نميّز المحبة الحقيقية والقريب، أخبرنا يسوع مَثل السامري الذي نميّز فيه موقفان.

الموقف الأول هو موقف الكاهن واللاوي اللذان عَبَرا وشاهدا الجريح لكنهما أهملاه وتركاه في معاناته وحيداً، لم يتعدَّيا عليه أو يؤذياه، لكنّهما لم يقدّما له المحبة والعناية اللازمة، وهذا خطيئة أيضاً لأنَّ الخطيئة ليست بالضرورة هي ارتكاب فعلٍ سيء، بل هي الإهمال وعدم القيام بالفعل الصالح. أما الموقف الثاني فكان للسامريّ الصالح الذي تحنّن على أخيه بالإنسانية واعتنى به، داوى جراحاته وحمله إلى مكانٍ آمِن، ولم يكتف بذلك بل أقام هو في الفندق أيضاً ثم طلب من صاحب الفندق أن يعتني به وأخبره أنه سيعود هو بنفسه إلى الفندق ثانية ليطمئن عليه ويدفع باقي التكاليف، أي أنه حفظ هذا الأخ الجريح في ذاكرته، تركه في فكره وفي قلبه، لقد شُغِل بأمره.

أيها الأحباء المحبة تفترض متابعًة وانتباهاً متواصلاً، لأنَّ المحبة ليست عاطفًة عابرة، بل هي أمرٌ يدوم ويُواظب عليه، والذي أحبُّهُ أتحمّله وأحفظه في قلبي، ُأنفق من وقتي وحياتي ومالي وصحتي من أجله، وبذلك أكون قد اقتربت منه وجعلته قريبي.

وإذ أنقل الله إليه من خلال عطفي ومحبتي وانتباهي، يقترب هو تدريجياً من الله ويتعرف عليه.

حب الله من كل القلب هو أهم الوصايا، ولكن ماذا يعني أن تحب الله. مع الأسف، نحن نعيش في عصر باتت فيه كلمة الحب لا تعني سوى المشاعر المجردة، فاختلط الأمر وصرنا نظن أنه لكي تحب إنسان فذلك يعني أن تُكن له المشاعر الطيبة، ولا يشترط بالضرورة وجود الحب بالمعنى الذي يقصده الكتاب المقدس. لأنه حسب الكتاب المقدس، فالحب مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفعل، وخصوصاً محبة الله فهي تعني أن تعمل إرادة الله، أي وصاياه ورغبته.

إن محبة الله وحفظ وصاياه أو كلمته شيئان يكمل أحدهما الآخر، وهو ما أوضحه يسوع. فمن يحب الله يحفظ كلمة الله ومن لا يحفظ كلمة الله لا يحب الله! إذاً، فحب الله التي هي أول الوصايا لا تعني أن أشعر شعوراً طيباً أثناء جلوسي في مقاعد الكنيسة صباح يوم الأحد، بل هي بالأحرى تعني أن أصنع مرضاة الله ومسرته، وهو أمر يومي.

ولقد ظهرت في المسيحية اليوم العديد من المغالطات، أخطرها تلك الفكرة الخاطئة بأن تنفيذنا لوصايا أو إرادة الله من عدمه لا يهم الله في شيء، ووفقاً لهذه المغالطة، فهذا يعني أن كل ما يهم الله هو تلك اللحظة التي بدأنا فيها الإيمان، فقد فصلنا كل من الإيمان وحب الله عن الأمور العملية واعتبرناهما نوعاً من المفاهيم النظرية، أو الأمور الذهنية بحيث يمكنهما التواجد قائمين بذاتيهما منفصلين عن الطريقة التي يعيش بها الإنسان، ولكن الحقيقة غير ذلك، فالإيمان يعني أن تكون مخلصاً، فعليك أن تتصف بصفة معينة لو كنت مؤمناً، وهذه الصفة هي الإخلاص! فالإنسان المخلص يهتم بإسعاد من هو مخلص له، أي يهتم بعمل إرادته، أي وصاياه.

هناك موضوع آخر مثير للارتباك حينما يصل الأمر إلى تنفيذ إرادة الله، وهي فكرة أنه لا يجب علينا عمل إرادة الله إلا عند الشعور بالرغبة في عملها، ولكن إن كنا لا نشعر بالرغبة في عملها إذاً فالعذر معنا، وهذا على افتراض أن الله لا يريدنا أن نعمل شيئاً لا نرغب في عمله، ولكن أخبرني شيئاً، هل تذهب إلى عملك دوماً لأنك تشعر بالرغبة في عمل ذلك؟ هل تستيقظ في الصباح وتفكر ما إذا كنت تشعر بالرغبة في الذهاب إلى العمل وعلى حسب رغبتك في الذهاب تقرر ما إذا كنت ستنهض من سريرك أو ستدخل تحت الفراش؟ هل هذه هي طريقتك المعتادة؟ أنا لا أظن ذلك. فأنت تقوم بعملك بغض النظر عن شعورك تجاهه! ولكن حينما يتطرق الأمر إلى عمل إرادة الله فنحن نعطي المشاعر مساحة كبيرة. بالطبع الله يريدنا أن نعمل إرادته وأن نشعر بالرغبة في عملها، ولكن حتى لو كنا لا نشعر بالرغبة في عملها فمن الأفضل كثيراً أن ننفذها.

إن حب الله من كل القلب هي أهم الوصايا، ولكن حب الله ليس مجرد حالة ذهنية حيث تشعر شعوراً طيباً تجاه الله، بل إن حب الله يعني أن تفعل إرادة الله! فلا يوجد ما يسمى بأن نحب الله ونعصيه في وقت واحد! ولا يوجد ما يسمى بأن تؤمن بالله وفي الوقت نفسه لا تخلص له! فالإيمان ليس حالة ذهنية، إن الإيمان بالله وبكلمته يعني أن تكون مخلصاً لله وكلمته، فدعونا لا نصدق المغالطة التي تحاول أن تفصل كل منهما عن الأخرى، وكذلك فحب الله وإحسانه يأتي على هؤلاء الذين يحبونه أي الذين يفعلون ما يرضيه أي من يفعلون إرادته. بالإضافة إلى ذلك، فلقد رأينا أيضاً أنه من الأفضل أن تمضي وتنفذ إرادة الله حتى وإن كنت لا تشعر بالرغبة في القيام بها على أن تعصي الله، وهذا لا يجعل منا آلات بدون مشاعر، يتوجب علينا دائماً أن نتحدث إلى الرب ونطلب منه طريقة أخرى لو شعرنا أن إرادته صعبة جداً علينا لننفذها وعلينا أيضاً أن نتقبل رده كما هو، فلو كانت هناك طريقة أخرى لوفرها لنا، فهو أعظم معلم وأب على الإطلاق، صالح ورحيم على كل أولاده.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء