أحد الأعمى

أحد الأعمى

الأب بطرس ميشيل جنحو
2018/05/10

فصل شريف من بشارة القديس يوحنا
(يوحنا 9: 1-38)

في ذلك الزمان فِيمَا يَسُوعَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَاناً أَعْمَى مُنْذُ مولدهِ * فَسَأَلَهُ تلاَمِيذُهُ قائلين يَا ربُ مَنْ أَخْطَأَ أهَذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى * أَجَابَ يَسُوعُ لاَ هَذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ لَكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللَّهِ فِيهِ * يَنْبَغِي لي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ * مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ * قَالَ هَذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ تُّفْلتهِ طِيناً وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى * وَقَالَ لَهُ ﭐذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ (الَّذِي تَفْسِيرُهُ المُرْسَل). فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وعاد بَصِيراً * فَالْجِيرَانُ وَالَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ من قبل أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى قَالُوا أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي. فقال بعضهم هَذَا هُوَ * وَآخَرُونَ قالوا إِنَّهُ يُشْبِهُهُ . وَأَمَّا هُوَ فكان يقَولَ إِنِّي أَنَا هُو * فَقَالُوا لَهُ كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ * أَجَابَ ذَاكَ وقَالَ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِينًا وَطَلَى عَيْنَيَّ وَقَالَ لِي اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ * فَقَالُوا لَهُ أَيْنَ ذَاكَ . فقَالَ لاَ أَعْلَمُ * فَأَتَوْا بِه أي بِالَّذِي كَانَ قَبْلاً أَعْمَى إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ * وَكَانَ حِينَ صَنَعَ يَسُوعُ الطِّينَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ يومُ سَبْتٍ * فَسَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضًا كَيْفَ أَبْصَرَ. فَقَالَ لَهُمْ جعلَ عَلَى عَيْنَيَّ طِينًا ثم اغْتَسَلْتُ فَأَنَا الآن أُبْصِرُ * فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللهِ لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ * آخَرُونَ قَالُوا كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذِهِ الآيَاتِ * فوقع بَيْنَهُمُ شِقَاقٌ * فقَالُوا أَيْضًا لِلأَعْمَى مَاذَا تَقُولُ أَنْتَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيْكَ * فَقَالَ إِنَّهُ نَبِيٌّ * ولَمْ يُصَدِّقِ الْيَهُودُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ حَتَّى دَعَوْا أَبَوَيِ الَّذِي أَبْصَرَ * وسَأَلُوهُمَا قَائِلِينَ أَهذَا هو ابْنُكُمَا الَّذِي تَقُولاَنِ إِنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى. فَكَيْفَ أُبْصِرَ الآنَ * أَجَابَهُمْ أَبَوَاهُ وَقَالا نحن نَعْلَمُ أَنَّ هذَا ولدنا وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى * وَأَمَّا كَيْفَ أُبْصِرَ الآنَ فَلاَ نَعْلَمُ أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ. هُوَ كَامِلُ السِّنِّ فاسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ * قَالَ أَبَوَاهُ هذَا لأَنَّهُمَا كَانَا يَخَافَانِ مِنَ الْيَهُودِ. لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ * فلِذلِكَ قَالَ أَبَوَاهُ هو كَامِلُ السِّنِّ فأسْأَلُوهُ * فَدَعَوْا ثَانِيَةً الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَ أَعْمَى وَقَالُوا لَهُ أَعْطِ مَجْدًا ِللهِ. فانَّا نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ * فَأَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ أَخَاطِئٌ هُوَ لا أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ انا أُبْصِرُ * فَقَالُوا لَهُ أَيْضًا مَاذَ ا صَنَعَ بِكَ . كَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ * أَجَابَهُمْ قَدْ اخبرتكم فلَمْ تَسْمَعُوا. فِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوا أَيْضًا. أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أيضاً تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلاَمِيذَ * فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ. فأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّا تَلاَمِيذُ مُوسَى * ونَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ اللهُ قدْ كَلَّمَ مُوسَى. فَأَمَّا هذَا فلا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ * أَجَابَ الرَّجُلُ وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا إِنَّكُمْ ما تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ * ونحن نَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ اذا أَحَدٌ اتَّقِى اللهَ وَعمَلَ مَشِيئَتَهُ فَلِهُ يَستجيب * مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى * فلَوْ لَمْ يَكُنْ هذَا مِنَ اللهِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا * أجَابُوهُ وَقَالُوا لَهُ اَّنك فِي الْخَطَايَا قدْ وُلِدْتَ بِجُمْلَتِكَ . أفأَنْتَ تُعَلِّمُنَا . فَأَخْرَجُوهُ خَارِجًا * وَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا . فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ أَتُؤْمِنُ انت بِابْنِ اللهِ * فأَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ فمَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ * فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ قَدْ رَأَيْتَهُ وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ * فَقَالَ لهُ قد آمنت يا ربُّ وَسَجَدَ لَه.

بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين.

إن فترة الأربعين يوماً بعد القيامة تكاد أن تنتهي، فالأربعاء القادم نودع الفصح ويوم الخميس نحتفل بعيد الصعود الإلهي.

وفي هذا الأحد الأخير من بعد الفصح قرأت الكنيسة على مسامعنا حادثة شفاء الرجل الذي ولد أعمى وأبصر النور. والإنجيل يتحدث عن النور الذي تمتع به الأعمى عندما بدأ يبصر.

التلاميذ سألوا يسوع: "من أخطأ، هو أم أبواه، حتى ولد أعمى؟ كان اليهود يظنون أن المصائب والعاهات والكوارث تأتي من الله وهي عقاب الخطيئة! كثيرون منا ما زالوا يظنون ذلك!.. الله محبة والمحبة لا تعرف إلا أن تبني.. المحبة لا تضرب ولا تؤذي ولا تدمر. المحبة تعطي النور والحياة.

يقول الإنجيل أن يسوع رأى الأعمى! يسوع يرانا أيضا. ليس كما نراه نحن العميان، يرانا ويحبنا لأنه خلقنا وصيرنا بالمعمودية أبناء النور، صرنا مستنيرين لأننا لبسناه.. أعطانا بالمعمودية روح الحق، يعني أعطانا النعمة لنميز النور عن الظلام.

الرجل لم يولد أعمى بسبب خطاياه الشخصية أو بسبب خطايا والديه، ولكن حيث إنه قد حدث أنه ولد أعمى. أنه حينما يتحرر وُيشفى من المرض المزعج الذي حل به بقوة من فوق، فمن الذي لا يعجب بذلك الطبيب الذى شفاه؟ ومن هو الذى لا يعترف بسلطان الشفاء الذى أظهره المسيح؟ ينبغي أن أعمل أعمال الذى أرسلني مادام نهار، يأتي ليل بعده. أنه حيث إن النهار جُعل لتتميم الأعمال والليل جُعل للراحة.

هذا الأعمى يشبه كل واحد منا. لماذا يا ترى نولد عميان؟ لأننا نولد بدون نور، نولد من لحم ودم، نولد من التراب ونعود إلى التراب. كثيرون منا يعيشون دون أن يعرفوا النور، نور الحياة، لأننا نعيش لنفسنا. هذا يجعلنا نشبه الأعمى لأننا نعيش في الليل ونلتمس النور.

يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة. أتى إلى العالم. يأتي إلينا، يأتي إلى كل بيت وكل عائلة، يأتي إلى شوارع العالم. ولماذا يأتي؟ ليعطينا النور، ليفتح قلبنا ليساعدنا على اكتشاف الحقيقة. وماذا يريد منا؟ يريد أن يخلصنا ويشركنا في حياته الأبدية.

حتى نحصل على النور يجب أن يكون عندنا إيمان، هو لا يفرض علينا الإيمان يريدنا أن نعبر، أن نصرخ ونصلي، أن نكون فقراء ومتشوقين لحضوره. "كما يشتاق الإيل إلى مجاري المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا ألله".

هذا المقطع الإنجيلي يدعونا لنكون مستنيرين، قد يكون الإنسان مسيحيا لكنه يبقى أعمى، لأنه لم يعرف أن يحافظ على المسيح ولأنه لم يعرف أن يكون مسيحيا. لذلك اعلن يسوع مرارا بأنه نور العالم ، وهو خبز الحياة وهو ماء الحياة .فالنور والحياة هما في المسيح فمن كان في المسيح كانت فيه المحبة وكان هو بدوره نوراً للآخرين.

طريقة شفاء المولود أعمى فريدة، فمن المعروف أن الطين يفسد العين السليمة، فكيف يصنع من التفل طينا ليطلى به عينى المولود أعمى. يؤكد السيد المسيح أنه يتمم عمله بحسب فكره الإلهي وليس حسب رغبتنا ووسائلنا البشرية، لم ينتظر حتى يعبر السبت، لأن السبت هو يوم الراحة، فتستريح نفس المسيح بالعمل الإلهي واهب الأستنارة والراحة للغير.

لم يستعمل السيد المسيح ماء فى الطين الذي أصلحه، بل استعمل لعابه، لكي لا ينسب الشفاء إلى الينبوع، بل لكي نعرف أن القوة الظاهرة من فمه هي التي أبدعت عيني الأعمى وفتحتهما. وقال له: اذهب اغتسل في بركة سلوام الذي تفسيره مرسل، فمضى واغتسل وأتى بصيرا (يوحنا 9: 7).

سلوام: وهي عبارة عن ينبوع كان تحت حصون أورشليم نحو الشرق، كانت مياة هذا الينبوع تجمع فى مخزن عظيم لأستخدام المدينة، وكان يصدر عنه مجرى ماء يغذى بركة بيت صيدا.

كما أن المسيح كان الصخرة الروحية (1 كو 10: 4) هكذا كانت أيضا سلوام الروحية.

أبرز السيد المسيح طاعة هذا الأعمى، فمن جهة ترك ربنا يسوع المسيح الذى لم يره من قبل أن يصنع طينا على عينيه دون أن يتذمر، أو حتى يتسآل كيف تشفى عينان بالطين؟ ومن جهة أخرى أطاع وذهب إلى بركة سلوام واغتسل فيها، وربما سبق فاغتسل فيها ولم يتمتع بالبصر.. لقد اعلن السيد عن فضائل هذا الأعمى المسكين كيف أطاع فى يقين وثقة وهدوء.

عاد الأعمى بصيرا، يرى ما لا يرى، مسبحا بكل كيانه ذاك الذى وهبه الأستنارة، وكما قيل باشعياء النبي: "صوت مراقبيك يرفعون صوتهم، يترنمون معا لأنهم يبصرون عينا لعين عند رجوع الرب إلى صهيون" (إش 52: 8). وقد عبّر يسوع عن هذه الفكرة بأسلوبه الخاص فقال: "جِئتُ لأُصدِرَ الحُكْمَ. والحُكمُ هو أن العُميانَ يُبصرون والذين يُبصِرون يعمون". لقد آمن الأعمى به فأبصر النور.

أما الفريسيون الذين رفضوا أن يؤمنوا به ويعرفوه على حقيقته فأضحوا عمياناً لا يبصرون نور الله ولا يستطيعون أن يسيروا في طريق الخلاص.

وها نحن أبناء الأيمان نعيش في عالم أعمى، أمراض تجعلنا عميانا جالسين على قارعة الطريق، نصرخ ولا نريد أن نسمع صوت يسوع، صوت الحق والانفتاح والمحبة.

علينا أن نفهم أنه لا يمكننا أن نعبر إلى النور إلا إذا عرفنا الحق! والمسيح هو الحق.

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء