المستقبل - الثلاثاء 27 تموز 2010
هل صحيح أن ثمة قطيعة اليوم قائمة ما بين الدين والإيمان؟
هل صحيح أننا، اليوم، بعد سقوط الايديولوجيات المزعوم، نشهد عودة الدين، أو "عودة المقدس"؟
مَن ينظر إلى خريطة العالم، في نهاية القرن العشرين، يذهله تكاثر البؤر الحمراء، وقد اشتعلت فيها الحروب أو النزاعات الإهلية، الطائفية والإثنية، وكأن وقودها الأكثر فاعلية الأصوليات، جميع الأصوليات.
ويذهل أكثر خطاب تلك الأصوليات الذي احتل المنابر الإعلامية ودور العبادة والساحات العامة، وراح يعلن سقوط العلمانية والعلموية والماركسية والقومية، وكأنه يحتفي بكل مظاهر التشفّي والإنتقام، بموت ماركس وانجلز ولينين وتشي غيفارا وفرويد ونيتشه...
فيخيّل إليك أنك، وأنت خارج إلى ساحة المدينة سترى رجال الأمير يحرقون كتب ابن رشد. وإذا ما فتحت الراديو ستسمع إذاعة الفاتيكان تعلن أن قداسته قد رشق بالحرم كل مَن يقرأ كتب "تيار دي شاردان"، وإذا توغلت أكثر في الحارات لربما تقاد إلى محاكم التفتيش. وقد تكون واحداً من عديدين، بات لا يجرؤ أن يعلن أنه لا طائفي، أو أنه علماني، حتى لو كان علمانياً ـ مؤمناً، أو أنه "لا أدري". وإذا كان، لا سمح الله، ملحداً، فليس له مكان لا تحت الشمس ولا في قلب الظلمة. لربما أن التاريخ يعيد نفسه وأنه يستنسخ اليوم إحدى حلقاته التي يسودها التعصّب والعصبية باتجاه واحد.
من المؤكّد أن ثمة أزمة حادّة تعصف اليوم بالعلاقة ما بين الدين والإيمان.
فالإيمان يمكن تحديده على أنه التوجه نحو المطلق، وابتغاء المعنى الأسمى والحقيقة الأخيرة. أما الدين فهو التعبير الثقافي للإيمان. ويتجسّد هذا التعبير في نظام مبني على التصورات، والمثل ومقاييس العمل، والمؤسسات. هذا يعني أن النظام الديني يخضع للثقافة.
والوجود الإنساني له بُعدان، يمكن تسمية البعد الأول بتقنية الحياة، وتسمية البعد الثاني بمعنى الحياة، فعلى الصعيد التقني تأخذ الثقافة على عهدتها حل مشاكل الحياة. وعلى صعيد الأهداف والغايات نجد الإيمان، وعلى هذا النحو يمكن اعتبار الثقافة، بشيء من التبسيط، على أنها "حياة" والإيمان على أنه "نقد".
نتيجة لذلك، يمكن القول ان النظام الديني، قد يتحجّر في حقبة ما، لا سيما إذا تسمّر في الثقافة الماضوية، ولا يعود يعبّر عن الإيمان الحي للناس العائشين في الوقت الحاضر.
وعندما ينتصر الدين على الإيمان، يكف هذا الأخير عن أن يقوم بوظيفته "النبوية" أو النقدية، ويمتص النظام الديني كل الأبعاد في الحياة. هكذا حصل تاريخياً في الحقبات التي سادت فيها الأنظمة الثيوقراطية.
وعندما يتمادى النظام الديني بتسلّطه ويستديم بتحجّره، من الممكن أن تنشأ، ثقافياً، ردّات فعل عنيفة، تهدف إلى نقد الدين نقداً جذرياً، وقد تتطرّف نازعة "بالكلّية" شرعية كل التعبيرات الدينية المؤسسة على الإيمان.
هكذا نشأت في تاريخ الثقافة، مواقف فكرية نقدية متطرّفة، وتطرّفها هو في أنها وقعت في "التحويلية" أي أنها حوّلت تعليل الوجود إلى مصدر واحد وحيد. الإصلاح البروتستانتي أدخل روح البحث والرفض للسلطة البشرية في الدين. فيما بعد، جاءت فلسفة "دي كارت" تضع في الذات مصدر الحقيقة. اما النقد "الكانتي" فقد زعزع التأكيد الماورائي. أما اليوم، فالتحويل النقدي أتى، على الأخص، من "فويرباخ" و"ماركس" و"نيتشه" و"فرويد".. ويقوم هذا التحويل النقدي بتبيان نسبية القيم والمطلقات، معلّلاً إياها بأصولها البشرية، الإجتماعية، الحياتية، والغريزية.
قد يكون إنسان اليوم، بعدما عانى أجداده من النظام الديني المستبد، وبعدما عانى آباؤه من تطرّف العلموية وعقم المادية، يحنّ إلى العودة للأصول. وقد يقوده هذا الحنين إلى استعادة بناء العالم الديني القديم بتعبيراته الأولى. وقد يصيبه الإحباط.
لا خلاص إلاّ بالحفاظ على الجدلية التي يجب أن تقوم ما بين الدين والإيمان. فالإيمان الذي لا يتجسّد تعابير فعلية وفاعلة يبقى في الضبابية والحلم والغربة. والنظام الديني الذي لا يحييه المعنى، ويحثه ويطوّره ويجعله متكيّفاً مع الحياة، يتحوّل إلى مصدر اغتراب وأداة تسلّط واستبداد. الإيمان الحقيقي يضطر الإنسان إلى أن يطهر كل تعابيره الدينية التي بها يحاول تبرير ذاته.
لقد عانى الغرب، حتى القرن السادس عشر من أنظومة "البابوية القيصرية" حيث كان البابا يلعب دور القيصر، وحيث كانت الثقافة الدينية هي كل الثقافة، تخضع لها جميع العلوم الدنيوية.
بعد القرن السادس عشر تمرّدت الثقافة العلمانية على الدين وأخذت استقلالها، ثم راحت تنقض أسس الدين من الماورائيات إلى الأخلاقيات. فانتقل الغرب من تطرّف إلى تطرّف آخر.
اليوم، تبدو الأمور أكثر توازناً في الغرب، بينما في العالم الثالث تتمسّك الشعوب بالدين خشبة خلاص لها، وأحياناً كثيرة تقع في الطائفية والمذهبية والأصولية...
ليس لنا خلاص إلاّ بالتمسّك بالجدلية بين الدين والإيمان، وبين العقل والوحي وبين الحداثة والتراث حتى لا نقع في انفصام الشخصية.