بحث

يصدر عن الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة  -  الأردن         رئيس التحرير: الأب رفعـت بدر

09 أيلول 2010

مأزق العلاقات بين الفاتيكان واسرائيل
محمد السمّاك

المستقبل اللبنانية

 

اعتلى السدة البابوية حتى الآن 265 بابا. كرست الكنيسة الكاثوليكية منهم 76 قديساً واعتبرت ستة آخرين مكرمين. وتستعد الكنيسة الآن لإعلان قداسة اثنين إضافيين هما البابا يوحنا بولس الثاني والبابا بيوّس الثاني عشر.

 

ولكن على الرغم من أن موضوع تقديس الباباوات في الكنيسة الكاثوليكية هو شأن ديني داخلي، يتعلق بالعقيدة المسيحية حصراً، وبالكنيسة الكاثوليكية تحديداً، إلا أن إسرائيل تصرّ على أن تكون لها كلمة في ذلك، بل أن تكون لها الكلمة الفصل!!.

 

لا تمانع إسرائيل في تطويب البابا الراحل يوحنا بولس الثاني قديساً. فهو أول بابا زار الكنيس اليهودي المركزي في روما. وهو الذي اعترف بإسرائيل رسمياً وتبادل معها التمثيل الديبلوماسي في عام 1993، ثم إنه اتخذ الخطوة التاريخية بتطبيع العلاقات بين الكاثوليكية واليهودية، وهو أمر لم يسبقه اليه أحد من أركان الفاتيكان. وذهب يوحنا بولس الثاني الى أبعد من ذلك عندما أصدر في عام 1998 بياناً أعرب فيه عن أسف الكنيسة لأنها لم تقم بما فيه الكفاية لرفع قبضة الاضطهاد النازي عن اليهود الذين جرى تجميعهم في معسكر أوشفيتز جنوب بولندا قرب مدينة كراكوف والتي كان يوحنا بولس الثاني رئيس أساقفتها قبل أن يعتلي السدة البابوية.

 

أما في ما يتعلق بالبابا بيوس الثاني عشر فإن الأمر مختلف تماماً. فإسرائيل تعارض بشدة تكريمه وتطويبه قديساً. فهي تتهمه بأنه تواطأ مع النازية ضد اليهود، أو على الأقل لم يقم بأي عمل لحماية اليهود من الاضطهاد عندما كان يحتلّ السدة البابوية خلال الحرب العالمية الثانية.

 

ويصف الإعلام الصهيوني العالمي البابا الأسبق بأنه معادٍ للسامية، وأن يديه ملوثتين بدم اليهود. غير أن الفاتيكان ينفي هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً. وقد أبرز وثائق تؤكد أن البابا بيوس أوعز الى مساعديه خلال الحرب العالمية الثانية بنقل يهود روما سراً الى مقره الصيفي في ضاحية روما ليكونوا في مأمن من النازيين الألمان الذين كانوا يحتلون ايطاليا في ذلك الوقت. ويؤكد الفاتيكان أن هذا العمل كان من شأنه لو اكتشفه الألمان أن يلحق أكبر الضرر بالكنيسة الكاثوليكية وبرعاياها في الدول الأوروبية التي احتلتها ألمانيا النازية. وكان البابا بيوس يدرك هذه المخاطر إلا أنه أصرّ على مبادرته التي أنقذت أرواح المئات من العائلات اليهودية.

 

غير أن إسرائيل ترفض تصديق هذه الرواية رغم الوثائق الرسمية التي نشرها الفاتيكان عن تلك الحقبة الزمنية، وتصرّ على أن قرار البابا الحالي بنديكتوس السادس عشر بالتمهيد لإعلان البابا الأسبق بيوس الثاني عشر قديساً، هو تكريم لتواطئه مع النازية. ولذلك تصرّ إسرائيل على ضرورة تراجع البابا والفاتيكان عن القرار.

 

ولقد شهر الإعلام الصهيوني سلاحاً فتاكاً في وجه البابا الحالي. إذ نشر صورة له بالملابس النازية عندما كان عضواً في منظمة الشبيبة الهتلرية. والمعروف أن البابا بنديكتوس يتحدر من أصول ألمانية وأنه خضع كغيره من الفتيان الألمان الى التجنيد الإجباري. وخدم لفترة قصيرة في حركة الشبيبة الهتلرية، قبل أن ينضم الى المدرسة اللاهوتية الكاثوليكية.

 

ويتهم هذا الإعلام الصهيوني أيضاً البابا بأنه يحاول الالتفاف على الوثيقة التاريخية المعروفة باسم نوسترا ايتاتي (وهي كلمة لاتينية معناها عصرنا الحاضر) والتي صدرت عن المجمع الفاتيكاني في عام 1964. وهي الوثيقة التي أعادت تحديد علاقات الكنيسة الكاثوليكية مع الأديان الأخرى ومنها اليهودية. غير أن زيارة البابا الى إسرائيل في العام الماضي، وحتى زيارته في الشهر الماضي الى الكنيس اليهودي المركزي في روما تتناقض مع هذا الاتهام.

 

وتجدر الإشارة هنا الى أنه خلال زيارة الكنيس حاول البابا بنديكتوس في الكلمة التي ألقاها أن يفسّر وأن يبرّر قراره بتطويب البابا بيوس قديساً، الأمر الذي رد عليه رئيس الحاخامات باستياء ورفض. كما أن يهود روما وإسرائيل، وكذلك الحركة الصهيونية، ازدادوا تطرفاًَ في رفضهم للقرار البابوي مصرّين على اتهام البابا بيوس باللاسامية، وباتهام البابا الحالي بتغطية لاساميته من خلال محاولة تطويبه قديساً!!.

 

وفي الوقت الذي يتعرّض فيه البابا الحالي للضغوط ولمحاولات الابتزاز الإسرائيلية، يواجه امتحاناً دينياً وأخلاقياً مع الكنائس المسيحية الفلسطينية. فقد أصدرت هذه الكنائس وثيقة دينية وجهتها الى المراجع الكنسية في العالم، بما فيها الفاتيكان تقول فيها:

 

".. إن الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية هو خطيئة ضد الله وضد الإنسان لأنه يحرم الإنسان الفلسطيني حقوقه الإنسانية الأساسية التي منحه اياها الله، ويشوّه صورة الله في الإنسان الإسرائيلي المحتل بقدر ما يشوّهها في الإنسان الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال. إن أي لاهوت يدّعي الاستناد الى الكتاب المقدس أو العقيدة أو التاريخ ليبرّر الاحتلال إنما هو بعيد عن تعاليم الكنيسة، لأنه يدعو الى العنف والحرب المقدسة باسم الله، ويُخضع الله سبحانه لمصالح بشرية آنية، ويشوّه صورته في الإنسان الواقع في الوقت نفسه تحت ظلم سياسي وظلم لاهوتي".

 

وهذا يعني أن الكنائس الفلسطينية التي تحظى بدعم كنائس العالم تطلب من البابا وفي هذا الوقت بالذات الذي يواجه فيه حملة الابتزاز الصهيونية، أن يعلن عن اعتبار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين خطيئة ضد الله والإنسان وأن يبادر الى سحب أي ادعاء يستند الى العقيدة المسيحية لتبرير هذا الاحتلال أو السكوت عنه.

 

حتى الآن تمضي الدوائر المختصة في الفاتيكان قدماً في إعداد إجراءات تطويب البابا يوحنا بولس الثاني والبابا بيوس الثاني عشر قديسين. وهي إجراءات تتم على مراحل متعددة وتستغرق فترة زمنية غير قصيرة. إلا أنه كلما طال الوقت كلما اشتد الضغط الصهيوني. مع ذلك لا يبدو أن البابا بنديكتوس السادس عشر مستعدّ للتراجع، فهو منذ أن أعلن قراره اصبح أسيراً له، وبالتالي أصبح التراجع عن القرار أمراً متعذراً بل مستحيلاً، لأنه يتعلق بكرامة الكنيسة وصدقيتها.

 

في ضوء ذلك يبدو مستقبل العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل أمام منعطف خطير. فبالنسبة للفاتيكان فإن القرارات التي تتعلق بشؤون العقيدة ليست موضع مساومة مع أحد.. وبالنسبة لإسرائيل فإن القرارات التي تتعلق باللاسامية والهولوكوست ليست موضع مساومة مع أحد أيضاً.

 

من هنا التساؤل عما إذا كانت هناك رؤية فلسطينية أو عربية أو إسلامية حول كيفية التعامل مع مرحلة ما بعد الوصول الى ذلك المنعطف الخطير.

GMT ص 09:08 05 شباط 2010
جميع الصور
أخبار ذات صلة
أضف تعليقاً
الاسم :
البريد الالكتروني :
البلد :
عنوان التعليق :
محتوى التعليق :

اتصل بنا
سجل الزوار
اجعلنا صفحتك الرئيسية
Copyright © 2008,ABOUNA. All rights reserved.

Designed By 11days Company