المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام... هكذا صدحت أجواق الملائكة معلنة عن ميلاد عهدٍ جديد في تاريخ البشرية، وفي حقيقته هو عهد سرمدي، لا بدءَ له ولا نهاية يقف عندها، والسؤال هنا لماذا هو العهد الجديد، وهوَ في واقعه عهد سرمدي؟ يبدأ يوحنا إنجيله بالآية التالية: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان لدى الله والله هو الكلمة. (يوحنا 1:1)
إذاً فالله موجود منذ فجر التكوين، وبما أنه تعالى كذلك، فلمَ كانت حاجتنا لسر التجسد؟ أسئلة كثيرة تدور في عقول من يتأملون بهذا الحدث العظيم؟ كيف لا وهوَ من أسرار الله، إن لم نقل إنه أعظم سرٍ من أسرار الإيمان المسيحي.
خلق الله تعالى البشرية بأبهى وأجمل حلةٍ، وخلق الإنسان على صورته ومثاله، وما الجمال الذي يعادل صورته ومثاله؟ ولم تقف محبة الله لخلقه عند هذا الحد، فقد أكملها بمنحه حريةً مطلقه لجبلته التي تحولت بنفحة من روحه إلى إنسان يتوق لرؤية الله، فالبشرية المتمثلة بدءاً بأبوينا آدم وحواء عند خلقها كانت مقدسة، إلا أنهما لم يدركا معنى كل ذلك فما كان منهما إلا أن دنسا سر الخلق والخليقة بسوء استخدامهما لنعمة الحرية التي منحها لهم سيد الكون وخالقه، مشوهين إياها بأعظم وأول خطيئة في التاريخ.
من هنا ومن هذا المنعطف التاريخي بدأت الحاجة لترميم ما دنسته الخطيئة الأصلية، لا شك بان الله قد غضب على آدم وحواء وطردهما من ملكوته، وفرض عليهم عقاب الجنة المفقودة، وقد ورد هذا العقاب في الفصل الرابع من سفر التكوين. وعلى الرغم من فقدان آدم وحواء لجنة الرب وطردهما الى حيث العناء والشقاء، إلا أن رحمة الفادي بقيت أعظم من خطيئة الإنسان، فلم يحرمنا من نعمة الحرية. نعم طردت البشرية من الجنة ولكن بقيَ الباب مفتوحاً ولم يرصد في وجهها للعودة من جديد إليها.
ومن جديد وبرغم عواقب الخطيئة الأصلية لم تدرك البشرية معنى نعمة الحرية التي وهبها لها خالقها، فمن جيل إلى جيل باتت البشرية تعيث الفساد وترضخ تحت وزر الخطيئة، ومع ذلك فقد بقيت رحمة الله ومحبته تنهمر على بنيه، ففي كل مرة كان الله ينذر بنيه بشتى الطرق التي تتراوح من الكلمة الطيبة المقدسة المتمثلة بالأنبياء المبعوثين إلى إنذارات أشد وأقسى ولكنها قسوة المحبة وقسوة تأديب الأب لابنه الحبيب، فمن طوفان إلى نار تتساقط من السماء، ومن طريقة إلى أخرى، ومن رسالة إلى أخرى، ومن رسول إلى آخر لم يستوعب الابن سر المحبة الإلهية، إلى أن وصلت محبة الله إلى أقصى حدودها بأن تنازل وتجسد بصورةِ طفل صغير يولد بمذود حقير بين لهاث البهائم وحنِوٍها، وفي ليلة حالكةٍ باردةٍ شديدة السواد، عله بذلك يعطينا درساً يسمو فوق وطئات خطايانا.
نعم الإله العظيم خالق السماوات والأرض وما فيها يتجسد في أحشاء فتاةٍ متواضعة، من دون ما ثلمٍ، ليكون آدم الجديد الطاهر الذي يشبهنا في كل شيءٍ ما عدا الخطيئة والذي بلغت محبته لنا بأن أسلم نفسه طواعيةً ليموت على صليب العار عاقداً ميثاق صلح بين السماء والأرض.. ولتكن هذه الفتاة المتواضعة حواء جديدة ولكن شتان ما بين حواء القديمة التي قالت لا لرغبتك يا خالقي وحواء الجديد التي كشفت سراً من أسرار الخلاص لكل باحث حقيقيٍ عنه، وتمثل هذا السر بقولها نعم يا رب فلتكن مشيئتك، أنت أعطيتني حريتي وأنا أردها لك عربون محبة..
وعلى الرغم من كل ذلك لم تتغير الصورة حتى يومنا هذا، تستمر مسيرة الخلق، وتستمر محبة الخالق ورغبته في خلاص بنيه، وتستمر خطيئة الأبناء وعصيانهم، فمنذ بدء الخليقة إلى سر التجسد، إلى سر الفداء إلى يومنا هذا، حكاية محبة وعصيان.
ولكن ما يعزينا في كل هذا هوَ كلمة الرجاء التي تعلو وتسمو فوق مجرد مصطلح لغوي إلى ما هوَ أبعد من ذلك، فكلمة الرجاء مرادفة لكلمة التجسد فلولا الرجاء لما كان التجسد، إنه الرجاء المتبادل الله يرجو إهتداء خليقته، وفَعل ويفعل كل شيءٍ من اجل ذلك. والإنسان يرجو خلاص نفسه، ولكن هل يستطيع الإنسان أن يصل إلى ما يرجوه؟ إلى هذه اللحظة لا يوجد مؤشر على ذلك، ولكن يبقى الرجاء موجوداً.
وكل عام وانتم بخير على أمل أن نملك هدف رجاء الله وليس رجاء نفوسنا