بحث

يصدر عن الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة  -  الأردن         رئيس التحرير: الأب رفعـت بدر

09 أيلول 2010

عشرون ألف امرأة ضحايا "جرائم الشرف" في العالم
هل يستطيع علم الفيزياء أن يبرهن أن الله غير موجود؟
شهر على أزمة العمال العالقين في منجم في التشيلي
زلزال بقوة 7 درجات يخلف دماراً هائلاً في ثاني مدن نيوزيلندا
تصريحات هوكينغ حول خلق الكون تلقى معارضة من رجال الدين في بريطانيا
منى واصف: التعايش الإسلامي المسيحي حقيقة شامية
جدل في ايطاليا بسبب دعوة القذافي "أسلمة أوروبا"
روسيا تكشف عن أيقونة للسيد المسيح مفقودة منذ أكثر من 70 عاماً
نزوح جماعي في جنوب باكستان بسبب الفيضانات
تقرير: المسيحيون يواجهون الاضطهاد في 50 بلداً و200 مليون منهم في خطر
مسلمو ومسيحيو مدينة بيت جالا: ظروف واحدة ومعاناة أصعب
السرطان مسؤول عن 14% من الوفيات في الأردن
سرقة لوحة "زهرة الخشخاش" للفنان العالمي فان جوخ بالقاهرة
السفينة اللبنانية "مريم" تبحر الأحد إلى قبرص في طريقها إلى غزة
البحر الميت مرشح في نهائي سباق لعجائب الدنيا السبع الجديدة
دير سيدة إيليج: مقام لـ18 بطريركاً مارونياً
مسحيو سورية يشاركون المسلمين بالدعوة إلى موائد الإفطار
كنيسة إيطالية تخصص مكان صلاة للمسلمين
جزيرة جليدية ضخمة تنفصل عن جرينلاند
ملحدون يريدون تنظيم استعمال أجراس الكنائس في ايطاليا
مكاور ... هنا قُتل يوحنا المعمدان
مفلح العدوان - الرأي الأردنية
قلعة مكاور

كلما اتجهت إلى مادبا، سمعت تراتيل تأتي من هناك..

 

يستقبلني قرع نواقيس كنائس المدينة، فأعرف أنني محاط بهالة من القداسة، وبزخم من التاريخ والذاكرة.

 

وفي كل مرة أجيء فيها إلى مادبا، آتي وفي ذهني مخطط لما أريد معرفته فيها، وأكون قادما إلى هناك عن سبق إصرار مني على تتبع بوح مكان آخر إما داخل المدينة أو في إطار دائرة قداستها.

 

ها أنا الآن آتي لأتتبع مسيرة يوحنا المعمدان، عاقدا العزم على زيارة مقامه في مكاور، هناك في القلعة التي قتل فيها، وقد كنت زرتها عدة مرات سابقا، كما مررت على موقعه على ضفة نهر الأردن، في المغطس، حيث جاء إليه السيد المسيح عليه السلام، هناك ليعمده، كما كل المؤمنين الذين تعمدوا في ذات الموقع.

 

الطريق إلى هناك

 

أصل مادبا.. ثم أتجاوزها باتجاه الجنوب، يا الله كم يحمل من أحزان، وجراح، وشهداء، وأنا فى ذاك الاتجاه، وفي البال تلك القصص، ومعها تتزاحم حكايات، وأحداث، وأنا الآن أتبع درب الشهيد الذي قطعوا رأسه ليقدمه هيرودس على طابق إلى سالومي.

 

أسير أنا أردد مقاطع من الكتاب المقدس والقرآن، كلها تتمحور حول دماء يوحنا المعمدان، وهو ذاته يحيى بن زكريا، شهيد مكاور، وقبل شهادته كانت له جولاته، ودعواته في برية الأردن، وعلى النهر المقدس.

 

أتبع الطريق بعد مادبا إلى الجنوب، وبعد عشرة كيلومترات، وقبل أن أصل ذيبان، أدخل غربا من جانب قرية لب، وأمشي بهذا الاتجاه حوالي خمسة عشر كيلومترا، متجاوزا عدة قرى، هي قرى جبل بني حميدة، ومنها قرية العريض، مركز قضاء العريض، وبعدها هناك سهم يشير إلى قرية الدير، ولكني أتابع حتى أصل قرية مكاور، وأرى شارة بجوارها مقبرة، وسهم يشير إلى الغرب، مع كتابة "مقام النبي يحيى".

 

شموع الذاكرة

 

ها قد وصلت قرية مكاور.. وها أنا أرصد المشاهدات قبل أن أتسلق الطريق باتجاه الجبل والقلعة، عند ذاك المثلث، كان شارع يقسم المقبرة إلى أكثر من جزء، والقبور مرتفعة بطريقة لافتة عن الأرض هناك، وكأنها في حالة احتفاء بالموت، أو أن القبور تتشابه مع نباتات عباد الشمس، غير أن توق القبور هنا ارتفاع باتجاه قلعة مكاور الذي قتل فيها النبي، كما أن بجوار بعض القبور هناك مدرسة بنات مكاور، وهذه مفارقة أخرى، لتجاور معنى الحياة والموت في ذات المساحة، على مثلث يؤدي بالمار من هنا إلى الدرب المؤدي إلى قلعة مكاور.

 

أكمل مسيري، وأمر على البيوت القديمة التي تداخلت مع البناء الحديث، وأقف قليلا عن مشروع نساء بني حميدة، الذي يعنى بصناعة النسيج، والشموع، وكأنه يراد لكل من يمر من هنا أن يستريح على بساط التقوى، ويوقد شموعا لإحياء ذاكرة النبي الذي واطن هذا المكان.

 

قبل أن أترك مشروع نساء بني حميدة، سألت عن واحد من كبار السن في مكاور، بعد أن ارتحل عنها كثير من أهلها إلى مدن وقرى أخرى، فتم إعطائي اسم أبو خالد، وهو واحد من كبار القرية، وعمره 82 سنة، واسمه نويران ابنية خليفه القعايدة، وقد التقيته قبل أن أواصل مسيري الى قلعة مكاور، ثم بعد أن انهيت الحديث معه، عدت الى دربي باتجاه القلعة، ولكن قبل أن أصلها وقفت على قمة أقرب مرتفع مقابل للقلعة، وجلست قليلا أستعيد بعض ما قاله لي "أبو خالد"، وكثيرا مما قرأته حول مكاور.

 

مغـاور

 

يقول الحاج نويران القعايدة أنهم "من أول ما وعيوا في القرية، يعرفوا انه اسم قريتهم مكاور، وما عرفوا إلها اسم غير هالإسم". كما يشير الى مكاور ابنه "محمد نويران ابنيه القعايدة"، في رسالة ماجستير كتبها في جامعة مؤتة، وعنوانها "مادبا وجوارها 1311-1366هـ/1893-1946م"، حيث يذكر في أطروحته في معرض تعريفه بقرى مادبا بأن "مكاور: تقع الى الجنوب الغربي من مادبا، وإلى الشمال الغربي من قرية ذيبان، وتعد من أهم قرى بني حميدة لأهميتها التاريخية، وقد مر بها الرحالة تراسترام عام 1872م، ووصفها وصفا دقيقا، ويقطنها عشيرة القعايدة من بني حميدة".

 

وحول اسم القرية مكاور، يشير المطران سليم الصائغ في كتابه "الآثار المسيحية في الأردن" الى أن (القرية التي بناها هيرودس حول القلعة ظلت مأهولة، وعرفت في العهد البيزنطي باسم ماكابيروس، ومنه لفظة مكاور العربية)، بينما يشير اللفتننت كولونيل فريدريك ج بيك في كتابه "تاريخ شرقي الأردن وقبائلها" الى مكاور، بأنها ماخيروس، ويكررها على هذا السياق في أكثر من موقع في الكتاب. ولكن هناك رأي يقول بأن هناك اسم قديم لها، منحوت من كثرة المغائر والكهوف في الجبل هناك، ولذا فقد كانت تسمى مغاور، ونحت الاسم بعد ذلك ليكون مكاور، وهذا يعتبر اجتهاد شعبي على سبب التسمية، وإضافة على التحولات التي طرأت على الاسم بمفارقة لها علاقة بربط الاسم بالطبيعة الجغرافية للمكان.

 

أما حدود القرية فهي بحسب ما تتبعها الحاج نويران القعايده، بأنه يحد مكاور من الشرق العريض، ومن الغرب البحر الميت، ومن الشمال زرقا ماعين، ومن الجنوب قرية الدير.

 

ماكرونتا

 

وبالعودة الى كتب المؤرخين والجغرافيين والرحالة نلاحظ أنه كتب عنها مجموعة منهم، ونشير هنا الى ما كتبه بعضهم، مثل  يورشارد في "وصف الأرض المقدسة، حيث قال حول مكاور "جبل يقع الى الجنوب الغربي من مادبا، بعد اثنين وثلاثين كيلومترا منها، ويبلغ ارتفاعه 730 مترا عن سطح البحر، وألفا ومائة وخمسة وعشرون عن سطح البحر الميت، وفي سنة 750 ق.م أوعزت روما لقائدها بمومبي بتدمير قلعة مكاور، وتم ذلك على يد جابينيوس، أحد قادة بومبي، وبعد ذلك قام حاكم المنطقة ببناء قلعة جديدة، وقد تم العثور على القلعة على قمة الجبل، كما تم العثور على أسوار القلعة، وأبراجها، وآبارها، والقصر الملكي، والحمامات، مع الآنية لتبريد المياه، وعلى بقايا المدينة التي شيدها هيرودس، وقد ذكرها يورشارد باسم ماكرونتا، واسمها الحالي مكاور".

 

عبادة الشمس

 

أما في كتاب "رحلات في شرق الأردن عام 1872م، الذي كتبه هـ. ب. تريسترام، فقد كتب عن مكاور  ما يلي: "وسرنا بمحاذاة هذا الطريق الروماني، فمررنا بكومة أطلال من الحجارة، يبدو أنها بقايا مدينة قديمة مبنية على الحد الصخري، وكأنها الكتف، حيث وصلنا بعدها بقليل الى مكاور المدينة، وليس الى القلعة. تغطي مكاور مساحات واسعة بما يزيد عن أية مدينة زرناها، أو شاهدناها الى الآن، فإننا لم نعثر على أي أثر يستحق التصوير.

 

تحتل آثار مكاور عددا من التلال المتماوجة، وتغطي في مجموعة أكثر من جبل مربّع. وحيث أن الدفاع غير ممكن عن هذا المكان، فلا بد أنهم اعتمدوا في حماية أنفسهم على وجود القلعة المجاورة. ويحيط بالمدينة سفوح ووديان تنحدر أو ترتفع بشكل رتيب، تعاود الارتفاع بوجود التلال المجاورة.

 

وتستغل هذه المنحدرات في زراعة الحبوب، من قبل بني حميدة، كما أنهم يربون بجوارها قطعانا قليلة من الأغنام القرنية (ذات القرون)، بما يتفق ويتناسب مع كميات المراعي والأعلاف في هذا المكان.

 

وقد وجدنا معبدا يفتح باتجاه مطلع الشمس بنفس المخطط والحجم، للمعابد التي وصفناها في خان الزبيب وأم الوليد. ومن هنا، فمن الجليّ، فإنه وإلى الفترة التي لا تبعد عن التدمير النهائي لهذه المدينة، فإنها كانت تعج بالسوريين والإغريق الذين كانوا يمارسوا طقوس عبادة الشمس، رغم التعصب الأعمى للسكان اليهود في ذلك الحين. وتفقدنا آبار مكاور، حيث وجدنا في أحدها ماء، بينما كان أكثر من مئة منها جافة وبعضها مملوء بالحجارة".

 

وفي كتاب "بلادنا فلسطين" يكتب مصطفى الدباغ حول مكاور قائلا: "وهي معروفة قديما باسم ماخيروس، قرية صغيرة تقع في الجنوب الشرقي من حمامات ماعين، حيث يقوم قصر هيرودس، ويقال إنه في هذا القصر، رقصت سالومي وقطع رأس يوحنا المعمدان -النبي يحيى- وقد تهدم القصر، وأصبح أشبه بالقلعة –وفي الأيام الصافية يمكن للمرء مشاهدة أبراج القدس".

 

سيرة قرية

 

تقع مكاور الى الجنوب الغربي من مادبا، على مسافة حوالي 25 كم، وإلى الشمال الغربي من قرية ذيبان، وتتبع إداريا إلى بلدية جبل بني حميدة، وهي من ضمن قضاء العريض، التابع الى لواء ذيبان، في محافظة مادبا.

 

الديموغرافيا

 

يبلغ عدد سكان مكاور حوالي 394 نسمة (224 ذكوراً و170 إناثاً)، يشكلون 66 أسرة تقيم في 91 مسكنا، ويعملون في الزراعة، والوظائف الحكومية.

 

التربية والتعليم

 

توجد في القرية مدرستان، هما مدرسة مكاور الأساسية للذكور، ومدرسة مكاور الأساسية للإناث، ويتم التدريس في المدرستين حتى الصف الثامن، وبعد ذلك ينتقل طلاب المدرستين إلى مدارس القرى المجاورة، ومنها العريض.

 

المجتمع المدني

 

يوجد في القرية مقر مشروع نساء بني حميدة، التابع لمؤسسة نهر الأردن، وفيه يتم تصنيع البسط والشموع، من خلال نساء المنطقة.

 

* جميع الخدمات في القرية، تأخذها من قرية العريض المجاورة لها، والتي تعتبر مركزا لقضاء العريض.

 

* يوجد في القرية مسجد واحد، ومقبرة.

 

يدهشني مشهد جبل مكاور، يستلبني، فأطيل فترة تأملي له، على مرتفع قريب منه، حيث أستطيع من هذا الموقع أن أرى مياه البحر الميت من وراء جبل مكاور، وأرى أيضا المرتفعات الغربية، حيث فلسطين في الجهة الأخرى.

 

أبتعد بنظري، نحو الأفق البعيد هناك، ولكن عندما أعود بنظري إلى الجبل الذي عانى من آلام النبي الشهيد، أشعر برجفة خشوع، فأتأمل بعمق تلك المهابة والقداسة المسكونة في هذا المقام، وأرى مع الجبل، القلعة ومجموعة الكهوف المنتشرة في جوانبه، وفي واحد من تلك الكهوف كان يسجن يوحنا المعمدان، قبل أن يقتله هيرودس، ولكني أرى كذلك كهوفا أخرى، على الجبال المجاورة وكانت منتشرة بكثرة، ولكنها لوقوعها في ملكيات خاصة، فقد تم استثمار بعضها لتكون مأوى للمواشي، أو مخازن للأعلاف.

 

ولأني مشوق لهذا الموقع، فقد تابعت مسيري، حتى وصلت الدرب المؤدي إلى قمة الجبل، حيث لا بد لي من أن أترك سيارتي، وأمشي خلال درج حجري، حتى أصل نقطة في منطقة أسفل الجبل، وأبدأ من هناك الصعود، في درب ترابي، وفيه جزء حجري على هيئة درج، أو جدار استنادي، تم حفره بطريقة متعرجة، ليتم كسر حدة الارتفاع، وليقلل من الجهد للوصول إلى قمة المرتفع.

 

ما تبقى من الأعمدة

 

قبل أن أصل القمة، وفي دوراني من الجهة الغربية، كان هناك مساحة فتحت كأنها باب لطريق مفترض بالاتجاه الشمالي من هناك، وقفت قليلا، وكانت استراحتي في تلك المساحة، حيث أخذت أتأمل المنطقة على امتداد الجبل باتجاه الغرب، ولاحظت كومة من الحجارة الكثيرة، والكبيرة، وكأنها تهاوت، وتساقطت، من أثر زلزال، أو سقوط كامل لقصر كبير، أو بيوت كانت موجودة هناك، وربما هي تحتاج إلى ترميم، لتوضيح ماهيتها.

 

أتابع، بعد ذلك، مسيري، حتى أصل قمة جبل مكاور، حيث كان أول ما شاهدت هناك الأعمدة الباقية شاهدا على الحياة، والأحداث التي وقعت في هذا المكان، ثم أخذت ألملم بنظري تفاصيل صورة الموقع، وكيف كان قبل مئات السنين، كنت أبني بخيالي موقعا مفترضا من بقايا آثار القصر، وأعمال الحفريات، والحجارة المتناثرة، وتلك الإطلالة التي ترصد من هناك كل الاتجاهات حول هذا الجبل.

 

عندما كنت أقوم بجولتي على قمة جبل مكاور، كان هناك في ذات الوقت مجموعة أجانب، ليسوا بسياح، ولكنهم يمثلون جهة لإنتاج الأفلام والوثائقية، والأعمال السينمائية، وكان أفراد هذا الفريق مندمجين في تصوير معالم جبل مكاور، والمناطق المحيطة به، غير أن الكاميرا النشيطة بين أيديهم، لاحظت أنها كانت عدستها، متجهة من بين الأعمدة المتبقية في مكاور، لتأخذ لقطة ساحرة من هناك للبحر الميت، وأرض فلسطين.

 

أبراج بيت المقدس

 

كان معي في زيارتي هذه بعض الكتب التي وضعت إشارات فيها على ما كتب عن مكاور، وأحضرتها معي إلى قمة الجبل، لأتابع ما كتب فيها من تفاصيل، مع على قمة مكاور، وهنا، في جلستي، في الجانب الغربي من قلعة مكاور، كنت أقرأ ما كتبه المطران سليم الصائغ في كتابه «الآثار المسيحية في الأردن» عن هذا الموقع، وفيه يقول "موقع القلعة يشرف على كل ما حوله. فإذا نظرت إلى الغرب، وإلى الشمال الغربي، فإنك تتمتع بمنظر رائع للبحر الميت، وتشاهد بسهولة القلعتين الأخريين اللتين بناهما هيرودس الكبير: الأولى على جبل الفريديس- إلى الجنوب من بيت لحم، والثانية على جبل الاسكندرييوم الواقع إلى الشمال من أريحا، وإلى الغرب من دامية. وفي الأيام التي يكون فيها الجو صافيا، يمكن مشاهدة أبراج المدينة المقدسة. وكان من المتداول بين القلاع الثلاث، أنه إذا تعرضت إحداها للخطر، تشعل النار ليلا، بطريقة متفق عليها، فتراها القلعتان الأخريان، فتهبان لمساعدتها".

 

وفي ذات السياق يتحدث لانكستر هاردنج في كتابه «آثار الأردن»، حيث يشير واصفا الموقع، بقوله: «.. ولا يوجد هناك ما يستلفت النظر إذا استثنينا المنظر الرائع للبحر الميت، لأن القصر –وهو أشبه ما يكون بقلعة- تهدم منذ عهد بعيد، ولم تبق منه إلا بعض الجدران المطمورة بين الأنقاض، وبقايا أطلال تشبه الممر. على أن الموقع يسيطر على ما حوله كليا، ومنه يستطيع المرء أن يشاهد البنائين الآخرين اللذين أقام هيرودس كلا منهما على رأس جبل: هيروديوم غير بعيد عن بيت لحم، والكساندريوم على قرن سرطية شمالي أريحا، وغري دامية، وفي الأيام الصافية يمكن للمرء أن يشاهد أبراج القدس أيضا".

 

مواجهة الأنباط

 

أما بالنسبة لبناء هذه القلعة في هذا الموقع، فيشير المطران سليم الصائغ إلى أنه "قد بنى هذه القلعة الاسكندر جانيوس، حوالي سنة 90 قبل الميلاد، وجعلها حصنا منيعا لصد غزوات الأنباط، وأما الاسكندر جانيوس فهو من سلالة الحشمونيين، المعروفين في الكتاب المقدس بالمكابيين، وقد خلف أخاه أرسطوبولس.. وقد أصبحت قلعة مكاور مركزا لمقاومة الحشمونيين للحكم الروماني إبان الثورة، فاستولى عليها الرومان سنة 57 قبل الميلاد ودمروها. إلا أن هيرودس الكبير (25-13 ق.م) أعاد بناءها وأرادها قلعة حصينة، وقصرا للراحة والاستجمام. وقد ذكر المؤرخ يوسيفوس أن هيرودس سجن فيها يوحنا المعمدان".

 

وحول اختيار الموقع، وعلاقته بالمواجهات التي كانت مع الأنباط، يشير معرب الكتاب، المرحوم المؤرخ سليمان موسى، في إضافة إلى ما كتبه لانكستر هاردنج عن مكاور، بأنه قد "..أثبتت الحفريات القائمة منذ عام 1978م بإشراف الآباء الفرنسيسكان، أن القلعة ترجع إلى حقبتين رئيسيتين؛ الأولى من عهد المكابيين (90-57 ق.م)، والثانية من عهد الهيروديين (72-30ق.م). ففي سنة 90 ق.م بنى اسكندر جانوس المكابي على قمة مكاور قلعة حصينة ليقف في وجه الأنباط الذين كانوا يسيطرون على الطريق السلطاني، وعلى مدينة مادبا القريبة. وظهرت من آثار هذه القلعة الأبراج على قمة التل، و على السفح الشمالي، حيث تكثر آبار الماء التي تغذيها قناة تمتد من التل المقابل. وقد دمر هذه القلعة الحاكم الروماني غابينيوس سنة 57 ق.م بأمر من القائد بومبي. وفي سنة 30 ق.م أعاد هيرودس الكبير بناء القلعة، وبنى في داخلها قصرا يشتمل على حمامات وإيوانين للضيافة، وأمامها ساحة تحيط بها الأعمدة، وإلى الشرق من الحمامات عدة مرافق. وكان هذا القصر مطليا بالجص الملون وتزينه الأعمدة والدعامات. وبعد موت هيرودس سنة 4 ق.م تسلم القلعة ابنه هيرودس أنتيباس، وفيها سجن يوحنا المعمدان، وقطع رأسه بسبب الراقصة سالومي. وبقيت القلعة في أيدي أبناء هيرودس حتى استولى الرومان عليها سنة 44م، وحينما اندلعت الثورة اليهودية فرّت الحامية الرومانية من القلعة فدخلها الثوار، إلا أن القوات الرومانية عادت اليها، وحاصرتها، ثم استولت عليها سنة 72م، ودمرتها تدميرا كاملا..".

 

أقدم قطعة فسيفسائية

 

وحول التنقيبات الأثرية في مكاور، فإنه من المهم الإشارة إلى أنه في سنة 1965م أجرت دائرة الآثار حفريات جزئية في الكنيسة البيزنطية، عند بداية الطريق المؤدية إلى القلعة، وهي كنيسة ذات حنية وثلاثة صحون، كانت جزءا من مجمع رهباني. وقد عثر فيها على حجة الإهداء الفسيفسائية التي لحق بها ضرر كبير. إلا أن ما تبقى من الكتابة يبين أن هذه القطعة الفسيفسائية تعود إلى سنة 602/603 ميلادية، عندما كان توما رئيسا للدير. وهناك آثار كنيستين أخريين في وسط القرية على المنحدرات الشمالية.

 

وكما أشرنا سابقا فإنه قد قام الآباء الفرنسيسكان بالاشتراك مع دائرة الآثار العامة بعمليات حفر وتنقيب في قلعة مكاور، وكان أولها سنة 1978م، وتركز العمل في بادئ الأمر على الكشف عن السور الخارجي، وعن ساحاته، وعلى تنظيف الأبراج من الداخل،والقصر الملكي والحمامات وأقنية تبريد الماء. وقد عثر في قلعة مكاور على أقدم قطعة فسيفسائية في الأردن، وهي تعود إلى أواخر القرن الأول قبل المسيح، أي في تاريخ بناء القلعة على عهد الاسكندر جانيوس.

 

سالومة

 

ويوضح المطران الصائغ الجانب الخاص بمقتل يوحنا المعمدان، وهو ذاته النبي يحيى بن زكريا، حيث يقول: "وقصة استشهاد يوحنا المعمدان ذكرها الانجيل المقدس (مرقس6/14-29)، فهيرودس انتياس (ابن هيرودس الكبير) طلّق امرأته، واتخذ هيروديا امرأة أخيه زوجة له، وأخوه لا يزال على قيد الحياة. فكان يوحنا المعمدان يقول له: (لا يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك). من أجل ذلك كانت هيروديا ناقمة على يوحنا تريد قتله. وجاء يوم موافق، إذ أقام هيرودس في ذكرى مولده مأدبة للأشراف والقواد وأعيان الجليل، فدخلت سالومة ابنة هيروديا من زوجها الأول، ورقصت، فأعجبت هيرودس وجلساءه، فأقسم الملك لها قائلا: (لأعطينك كل ما تطلبين مني، ولو نصف مملكتي). فسألت الصبية أمها ماذا تطلب، فقالت لها أمها: (أطلبي رأس يوحنا المعمدان). فاغتم الملك، ولكنه أرسل من وقته حاجبا، وأمره بأن يأتي برأس يوحنا المعمدان، فمضى الحاجب، وقطع رأسه في السجن".

GMT ص 06:30 19 كانون الثاني 2010
جميع الصور
أخبار ذات صلة
أضف تعليقاً
الاسم :
البريد الالكتروني :
البلد :
عنوان التعليق :
محتوى التعليق :

اتصل بنا
سجل الزوار
اجعلنا صفحتك الرئيسية
Copyright © 2008,ABOUNA. All rights reserved.

Designed By 11days Company