جريدة "العرب اليوم" الأردنية
د. رؤوف أبو جابر مؤرخ أردني ورئيس المجلس المركزي الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين, وهو من الشخصيات المرموقة والعروبية ليس في الأردن فقط, بل في الشرق بأسره, وهو مؤلف كتاب "الوجود المسيحي في القدس خلال القرنين التاسع عشر والعشرين" الذي أصدره مركز دراسات الوحدة العربية.
زرته في مكتبه وطرحت عليه أسئلتي التي لم يرق له بعضها, لأنه لا يرغب في الدخول في تفاصيل بعض القضايا خاصة تلك التي يتخيل أنها لا تناسب المرحلة.
تالياً نص الحوار:
كيف هو حال المسيحيين العرب في الشرق?
كان العرب المسيحيون ولا يزالون جزءاً لا يتجزأ من هذا الشرق وهم ملحه, فهم عرب أولاً ومسيحيون ديناً, وقد حافظوا على إيمانهم الذي فطرهم الله عليه منذ فجر التاريخ, وكانوا باستمرار وطنيين مخلصين للمجتمع وللوطن في البلدان العربية التي يعيشون فيها, كما كانوا وبكل فخر رواداً في النهضة العربية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
ولا بد من الإيضاح أن العرب المسيحيين يكونون سعداء عندما تسعد الأمة, وهم يشقون لشقائها ولو سألتني عن حال الأمة العربية لقلت أنها في حال غير سعيدة, وهذا ينعكس علينا لأننا جزء منها. ونحن كشعوب عربية أصبحنا نهباً لكل معتد, وإسرائيل أظهرت للعالم مدى الضعف الأساسي في البنية العربية, وهذا الدرس يتطلب من النخبة العربية أن تأخذه بعين الاعتبار, ويستطيع العرب المسيحيون الإسهام بأي جهد يبذل في هذا المجال, رغبة منهم في استعادة أمتهم لمكانتها الريادية بين الأمم.
ما هو الصحيح أن نقول "العرب المسيحيون" أم "المسيحيون العرب" ولماذا?
الصحيح أن نقول "العرب المسيحيون" لأننا عرب أقحاح, أي أننا ننتمي إلى الأمة العربية قومياً ونعتنق الدين المسيحي, ونؤمن بما قاله السيد المسيح عليه السلام "أعطوا ما لقيصر لقيصر, وما لله لله" ولذلك عندما يذكر الدين يجب أن يكون بمنأى عن العلاقة البازارية ما بين الحياة اليومية العادية وحياة الإنسان واتصاله بخالقه, ولذلك فإنني أفضل أن تبقى علاقة الدين بمستوى أعلى ولا تدخل في الأمور اليومية التي هي أساس هذه الأوضاع التي تزعجنا حالياً.
ما دور العرب المسيحيين في النهضة العربية?
العرب المسيحيون وبسبب انتمائهم الأصيل لأمتهم وإخلاصهم لقوميتهم العربية, فإنهم سباقون لكل ما من شأنه رفعة هذه الأمة, فهم عرب أقحاح وأبناء القبائل العربية التي استوطنت في بلاد الشام والعراق وأطراف بلاد الروم وما أصبح يطلق عليه لاحقاً الدولة العثمانية في آسيا الصغرى, وكان العرب المسيحيون في هذه الأقاليم رواداً في الاستقرار والرغبة في خدمة المجتمع والوطن والحداثة, وفي بوادر التحرك المجتمعي الذي حصل نتيجة مجيء نابليون إلى مصر أواخر القرن الثامن عشر.
كان ذلك فرصة لعدد كبير من العرب المسيحيين بعد أن كانوا قد حصلوا على تعليم مختلف عن التعليم الدارج في ذلك الزمان. وبحكم معرفتهم بهذه التطورات الحياتية في المجتمع, جعلت لهم نظرة مختلفة لمشاركة الشعب في إدارة شؤونه وأصبح لهم فكرة جديدة عن مفهوم الحرية وأهميتها دينياً أو كلامياً أو حقوقياً بحيث أنهم طالبوا بأن يكون هناك تمثيل للشعب في دوائر صنع القرار وإدارة شؤون البلاد لتقرير شؤونه ومصيره. وعندما ظهر التأثير الأجنبي السيئ نجد أن العرب المسيحيين هم أول من تصدى له بالرفض والشجب والاستنكار, وكان العرب في مصر فئتين; الأولى المصريون الأقباط والثانية هم المهاجرون من بلاد الشام أو ما كان يطلق عليها سوريا الكبرى الذين نزحوا على مصر من أجل البدء بحياة جديدة, أما في القدس وفلسطين فكانت هناك حركة مباركة, وأؤكد أن التعليم الابتدائي المبسط للغة العربية كان ريادة للمرحوم خليل السكاكيني الذي بدأ في تعليم العربية بهذه الصورة المبسطة المعروفة بعد أن كانت الأمور تسير بشكل عقيم بسبب التشبث بالفصحى على جميع المستويات, فالخدمة التي قدمها العرب المسيحيون مع إخوتهم المسلمين كانت عملية جماعية تكاتفية وتوحيدية إلى أقصى الدرجات من حيث أنها لم تميز بين مسلم ومسيحي على الإطلاق. واستمرت هذه الحركة حتى يومنا هذا والحمد لله وليس سراً القول أن القيادات الحزبية في العالم العربي لا تخلو في كافة مراحلها من عدد كبير من العرب المسيحيين ما عدا صفوف "الإخوان المسلمين".
كمؤرخ, حدثني عن التحالف القومي بين غساسنة الشام العرب المسيحيين وعرب الجزيرة المسلمين ضد الاحتلال البيزنطي?
قبل أسبوعين شاركت في المؤتمر العاشر لتاريخ وآثار الأردن الذي عقد في جامعة السوربون في باريس مع أكثر من 100 عالم ومؤرخ وآثاري وخرجنا من ذلك المؤتمر بانطباع أن هؤلاء العرب الذين وصلوا إلى مناطقنا الجنوبية وربما واكبوا الأنباط المعروفين الذين حفروا البتراء في الصخر الوردي في منطقة وادي موسى في القرن الخامس قبل الميلاد, وهذا يعني أن السيطرة العربية على هذه المناطق في سوريا الطبيعية بدأت في تلك الفترة, وكانت تلك القبائل يمانية وعلى رأسها في القرن الميلادي الثالث قبيلة "سليح", ثم جاءت بعدها قبيلة "تنوخ" التي هي القبيلة التي ينتمي إليها الأمير فخر الدين المعني التنوخي, ثم جاء دور الغساسنة سنة 450 بعد الميلاد, وهم عرب أقحاح وأبناء عم لقبيلتي الأوس والخزرج في المدينة المنورة وهم الأنصار, وعندما جاءت الجيوش العربية إلى مناطقنا توزعت هذه القبائل وفي مقدمتها غسان بين الولاء العربي وبين المسيحيين البيزنطيين. ويسرني القول أن الدم العربي كان يتفوق على أي علاقة أخرى, وهذا يؤكد المقولة الدارجة "الدين لله والوطن لأبنائه". ولذلك فإن الغساسنة ساروا وفق المنطق القومي المطلوب بأنهم لا يوالون المحتل, لرغبتهم في التخلص من النير الروماني, وكانوا مكرهين بتحالفهم مع الرومان بسبب سيطرة الإمبراطورية الرومانية آنذاك.
هؤلاء الغساسنة العرب كانوا ينسجمون مع انتمائهم العربي وتعلقهم بالقومية العربية, ولذلك, لم يتخلفوا عن الركب إطلاقاً عندما جاءت الجيوش العربية من الجزيرة.
لكن هناك من يقول ان العرب المسيحيين هم "حصان طروادة" للغرب, ما وجه الدقة في هذا القول?
عندما يسمع الإنسان بحديث غير معقول من هذا النوع, فإن الوضع الطبيعي أن يربأ بنفسه عن الإجابة, فالعرب المسيحيون هم عرب أولاً وهم بعد ذلك أتباع للدين المسيحي ولا أغالي إن قلت أننا الأكثر إخلاصاً للعروبة ولا توجد هناك دولة مسيحية عربية ولا علاقة بين العربي وانتمائه القومي وديانته, لأن ديانته لله, أما اتصاله مع الوطن والمجتمع فلا تشوبه شائبة, لكن المؤسف عندما يتكلم كائن من كان بهذه الصورة ينسى بأن المسيحيين الغربيين لا يقبلون العربي المسيحي الشرقي ولا يطمئنون إليه لأنه يعرف كيف يدافع عن الحقوق العربية السليبة.
ألم يتحالفوا مع الغرب وتحديداً فرنسا ضد العثمانيين?
هي حالة واحدة, وهي حالة الموازنة في لبنان, لكن الأرثوذكس في جميع أنحاء العالم العربي حتى أواسط القرن التاسع عشر حيث جاء اللاتين والبروتستانت إلى الشرق العربي بعد ذلك, عندما سمح السلطان العثماني لهذه الدول بإرسال بعثاتها التبشيرية إلى مناطق النفوذ العثماني, ونحن لسنا مسؤولين عن قرارات الأتراك بهذا الشأن, وأؤكد أن الكنيسة الأرثوذكسية في القدس وهي كنيسة القيامة (أم الكنائس) كانت ولا تزال, أن هؤلاء الناس منشقون عنها لأنهم تركوها والتحقوا باللاتين والبروتستانت والوحيدون العرب الأقحاح الذين تمسكوا بعروبتهم هم الروم الكاثوليك الذين انشقوا عن الكنيسة الأرثوذكسية في بلاد الشام في بطريركتي انطاكيا والقدس بسبب رفضهم استمرار رئاسة الرهبان اليونان للبطريركية.
هناك استعمار يوناني في كنيستنا الأرثوذكسية البطريركية في القدس, وهذا الاستعمار يعطي الحق لحوالي 110 أشخاص بموجب الأنظمة والقوانين سارية المفعول التي سنت من دون موافقتنا ونحن أهل البلاد العرب الأرثوذكس نرفض هذه القوانين الجائرة التي تعطي الرئاسة لوافدين قدموا إلينا من الجزر اليونانية ونتساءل ما هي العلاقة بين بطرك يوناني جاء من جزيرة ساموس أو كريت وبين العرب في الاردن وفلسطين الذين يزيد عددهم على 220 ألف شخص, ونطالب بإزالة هذا الظلم وان نحصل على استقلالنا الديني حتى نقوم بدورنا الفاعل في الدفاع عن الحقوق العربية السليبة عن البلدان العربية بشكل عام.
كيف تنظر إلى المشاركة السياسية للعرب المسيحيين في البلدان العربية?
نحن كما قلت جزء من نسيج هذا الشعب, نشارك بكل حماس ورغبة صادقة في الخدمة, ونحن في الأردن على سبيل المثال ومنذ تأسيس الأمارة نشكر ونقدر تفهم الهاشميين للحساسيات التي تسببها الأحاديث الاستعمارية الخارجية عن اختلاف الأديان في الشرق العربي ولذلك قال الملك المؤسس عبد الله الأول انه يجب قطع دابر جميع هذه الأقوال, فيكون الوجود المسيحي في الأردن مساوياً لوجود المسلمين الشيشان والشركس والبدو من حيث تخصيص مقاعد برلمانية, وأن يترشح العرب المسيحيون لهذه المقاعد كما يفعل أبناء الأردن عامة.
هناك شكوى في مصر لأنهم لم يتمكنوا من إيجاد حل لهذا النقص في تمثيل الأقباط في المجالس البرلمانية بسبب ظروف مصرية خاصة بالبلاد, لكنني آمل أن تتمكن الرئاسة المصرية بالتشاور مع بطريركية الأقباط لإزالة هذا الغبن.
ما هو وضع العرب المسيحيين في الأردن والمنطقة من حيث الحرية الدينية?
نحن في الأردن عدة كنائس; الأولى الكبيرة هي الكنيسة الأم الأرثوذكسية, ويبلغ عدد أتباع هذه الكنيسة 220 ألفاً ويأتي بعدنا الروم الكاثوليك, الذين انشقوا عنا في القرن الثامن عشر وكذلك اللاتين التابعون للفاتيكان ولديهم بطريرك عربي هو البطريرك فؤاد الطوال ابن مادبا ويقيم في القدس, أما الروم الكاثوليك فجميع بطاركتهم من العرب, وبطريركهم الحالي هو كبير الأساقفة لطفي اللحام, بينما البروتستانت فلديهم مجمع عربي في الشرق الأوسط رئاسته بالكامل عربية ويرأسه حالياً المطران سهيل دواني, أما الموارنة فلهم وضعهم الخاص في لبنان ولهم كنيسة في الأردن وهم يبنون حالياً كنيسة جديدة في منطقة "المغطس" على الضفاف الشرقية لنهر الأردن, إضافة إلى العديد من الكنائس الأخرى في هذا الموقع المقدس لدى المسيحيين الذي أصبح في عداد الأماكن التي يحج إليها المسيحيون من كافة أنحاء العالم, وقد طوره الأردن بكل مقدرة واحترام وسيكون أحد الروافد الكبيرة لنجاح الأردن عالمياً لإيصال رسالته إلى الخارج بخصوص العيش المشترك.
ونحن في الأردن نتمتع بحرية دينية ونمارس عيشاً مشتركاً سلمياً مع إخواننا المسلمين, ويكفي أن تكون الكنيسة والمسجد متجاورين, كما أننا نتمتع بحقوقنا السياسية فهناك الوزراء حتى أن نائب رئيس الوزراء حالياً هو السيد رجائي المعشر.
ما هو حال المسيحيين العرب في فلسطين؟
العرب المسيحيون في فلسطين يعانون شأنهم شأن أخوانهم المسلمين, وهم أقلية يتناقص عددهم باستمرار وهم يهاجرون لسببين قهر الاحتلال, وأقول لبني قومي العرب عموماً في فلسطين: إياكم أن تسمحوا لإسرائيل باستقطاب الصراع ليصبح صراعاً إسلامياً يهودياً, فالصراع في فلسطين قومي عربي يهودي وليس إسلامياً يهودياً لذلك يحاول الاحتلال إبعاد العرب المسيحيين عن فلسطين, وأقولها بكل أسف أنهم نجحوا حتى الآن عن طريق الضغوط المجتمعية والاقتصادية والأمنية بتخفيض أعداد المسيحيين في القدس وأعتقد أن الأمة مكلفة بالقيام بمساعدة المسيحيين للصمود على أرضهم شأنهم شأن إخوانهم المسلمين لأننا بحاجة إلى كل عربي وكل أرمني على أرض فلسطين, حيث هناك كنائس واعية في القدس وهناك دور لهذه الهيئات يجب أن تلعبه مجتمعيا وقومياً لأن المحافظة على الوجود العربي بما في ذلك الأوقاف والمقدسات هي أساس استمرار الوجود العربي في فلسطين عامة والقدس بشكل خاص.
ونحن نطالب بوجود خطاب قومي عربي إسلامي مسيحي لأن فلسطين والقدس خاصة للعرب المسيحيين والمسلمين على حد سواء.
مسيحيو لبنان إلى اين على خارطة العرب المسيحيين خاصة وأنهم نجحوا بأن يكون رئيس الدولة منهم?
لبنان منذ العهد العثماني كان يتكون من أكثرية مسيحية وارتأى السلطان العثماني آنذاك بناء على طلب اللبنانيين ونتيجة ضغوط أوروبية أن يتعايش مع هذه الحقيقة, فجعلوا من لبنان إمارة برئاسة الأمير بشير الشهابي, الذي يقال انه كان مسلماً ثم أصبح درزياً وبعد ذلك تحول مارونيا ليرضي الجميع وكان على أعلى درجات المسؤولية والمقدرة على إدارة الأمور بمعنى أنه كان رجل دولة, ويترحم اللبنانيون عموماً على أيامه ويقولون أنه هو باني لبنان الحديث بمؤسساته.
لبنان لا يشكو من وجود الموارنة فقط, فهناك 17 طائفة دينية, لذلك كان الوضع اللبناني يشكل حالة خاصة يجب أن ينظر إليها باهتمام مختلف عن بقية الحالات لأن هذه الطائفة الدينية (الموارنة) كانت لديها طموحات وتوجهات مختلفة عن المبدأ العام. ولا ننسى أن لبنان كان في العصر الأموي شوكة في خاصرة الأمويين استمر حتى القرنين السابع والثامن لذلك يجب اللجوء إلى الحكمة في معالجة بعض القضايا التي تواجهنا وعندما يكون هناك نوع من التفكير الهادئ في إمكانية العيش المشترك نجد أن لبنان في اغلب مراحله كان مثالا في العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين, ولكن عندما تتدخل الأصابع الأجنبية من عثمانية أو فرنسية أو انجليزية أو أمريكية في الفترة الأخيرة كنا نواجه هذه الصعوبات والاختلافات.
الملاحظ أن العرب المسيحيين يهاجرون إلى الغرب لماذا?
الهجرة إلى الغرب لا تقتصر على العرب المسيحيين, بل تشمل المسلمين أيضاً, ونسبة المهاجرين المسلمين تزيد أضعافاً مضاعفة عن العرب المسيحيين, وهناك فقدان بالتوازن عند النظر إلى الأمور, فالعرب المسيحيون كما هو معروف أقلية, وعندما تهاجر عشر عائلات مسيحية من مجموعة مئة عائلة في موقع ما, تحدث ضجة ولكن عند هجرة مئة عائلة مسلمة من مجموع عشرين ألفاً فإن الأمور تبدو اعتيادية ومع ذلك نقول أن هجرة العرب المسيحيين ليست لأسباب دينية بل هناك أسباب مجتمعية وأمنية واقتصادية ولتعليم أبنائهم شأنهم شأن المسلمين المهاجرين, وهناك أعداد من الأردنيين في كندا على سبيل المثال هاجروا وأصبحوا يحملون الجنسية الكندية, وقيل لي مؤخراً ان هناك أكثر من 50 ألف فلسطيني في سدني بأستراليا, ولذلك ليس مستحباً التركيز على العرب المسيحيين في كل شاردة وواردة وهم يعانون شأنهم شأن إخوانهم المسلمين.
المعروف أن المسيحية ولدت في الشرق, فلماذا يرتبط بعض العرب المسيحيين بالغرب?
هذا قول مردود على أصحابه, إذ لا يوجد ارتباط مع الغرب في أي منحى من المناحي والفارق الوحيد بين العربي المسيحي وأخيه العربي المسلم هو أن العربي المسيحي الذي تعلم في مدرسة مسيحية تابعة لإحدى الكنائس تمكن من معرفة اللغات الأجنبية أدق وتعلم بعض المعلومات عن التواريخ الغربية, بينما العربي المسيحي الذي تعلم في مدارس الحكومة, تخرج مسلحا باللغة العربية والتاريخ العربي, لذلك برز من تخرج من مدارس الكنيسة, وهذا ما يجب أن يعلمه الجميع حول هذه النقطة بالتحديد, ولا نعني أن مدارس الكنيسة هي مدارس تبشيرية فمناهجها مقررة من وزارة التربية والتعليم, لكنها تركز على تعليم اللغات الأجنبية, وهذا ما ساعد بعض العرب المسيحيين على التوجه نحو الغرب بسهولة التعامل والحوار.
مؤخراً اصدر مجمع أساقفة الفاتيكان (السينودس) وثيقة كان سؤالها الرئيسي: أي مستقبل ينتظر العرب المسيحيين ما تعليقك على ذلك?
يعي الأخوة في الفاتيكان تماماً التأثيرات الدولية الراهنة وخاصة لأهلنا في فلسطين المحتلة وهم يقولون أن أوضاع الفلسطينيين ليست سليمة ولا تساعد على العيش المشترك المرتاح ولذلك يطالبون المجتمع الدولي بتحسين أوضاع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وان يكون هناك شعور عالمي مع أهل فلسطين المضطهدين مسلمين ومسيحيين, ويشعرون أن تفريغ القدس من سكانها العرب وخاصة المسيحيين من قبل سلطات الاحتلال يشكل خطرا وضرراً كبيراً على الوجود المسيحي في الأراضي المقدسة.
هناك أمر ينساه الجميع باستمرار وهو أن الوجود المسيحي في فلسطين مهم جداً بالنسبة للمسيحية التي ولدت في فلسطين حيث ولد السيد المسيح في بيت لحم وعاش في الناصرة وعلم في القدس, لذلك فإن وجود مسيحية ناشطة وحية في فلسطين عموماً وفي القدس بشكل خاص أمر حيوي ومهم جداً بالنسبة للقضية الوطنية, وتتمثل ببقاء العرب على أرضهم.
ما عدد العرب المسيحيين?
قدر عددهم بنحو 17 مليون نسمة, ونشكل نحو 5% من السكان في الأردن و2% من السكان في فلسطين الجغرافية و14% في سورية و40% في لبنان ويقال أ ن نسبة الأقباط في مصر بدأت تقل عن نسبة 10% علما أن الحكومات العربية لا ترغب بإعلان الأعداد الحقيقية لأن هذا الموضوع حساس.
وأقول في هذا السياق أن العيش المشترك هو أساس اللحمة بين العرب بغض النظر عن دينهم, فالدين لله, لكن الوطن لأبنائه, لذلك فإني أطالب بالانفتاح لأن الإسلام قبل التعددية والرسول (ص) كان واعياً بهذا القبول, وقد وردت آيات عديدة في القرآن الكريم عن القبول بأهل الكتاب ونتساءل لماذا لا يقبل البعض من المتعصبين, أن التشدد ضار للقضية العربية ككل.
ما علاقة العرب المسيحيين بالثقافة الإسلامية?
نقولها بمودة كاملة أن الدين عملية يقررها الخالق, ونحن ولدنا مسيحيين لكن ثقافتنا إسلامية وأنا أفاخر بمعرفتي المتميزة باللغة العربية, وللقرآن الكريم فضل كبير في ذلك ويجب أن أصرح بأن هذه الفصحى, وهي لساني الأم, تشكل مصدر اعتزاز كبير لي, فثقافتي إسلامية وديني الذي ولدت عليه أمر الخالق أن أكون مسيحياً أرثوذكسياً تابعاً لبطريركية القدس لكني ثائر على الأوضاع فيها بسبب الاحتلال اليوناني للمراكز الرئيسية في البطريركية المقدسية الأرثوذكسية وهم الذين يقررون المصير لجميع الأمور بهذه البطريركية العريقة منذ تأسيسها عام451 ميلادية.
لماذا لا تتوحد كنائس الشرق العربية المسيحية?
نفس أسباب عدم وحدة السنة والشيعة وأتباع المذاهب الأربعة, ما أود قوله هو أن التعددية أساس الحيوية في حياتنا, ونحن نقبل بها لأن الله عز وجل أمر بالتعددية ولو أراد وحدة الخلق لخلقهم على شاكلة واحدة أو مذهب واحد ودين واحد. لكنه رأى أن يكونوا متعددي المذاهب وأن يكون الحوار بين أتباع المذاهب المختلفة مفيداً للبشرية. وأتساءل: كيف يتوحد القبطي والسرياني والأرمني وهم من أتباع الطبيعة الواحدة مع اليوناني الذي يعتقد بطبيعتين للسيد المسيح عليه السلام.
لذلك أقول أن الخلاف عقائدي مذهبي وعندما نجد أن كافة المذاهب تلتقي في مجلس كنائس الشرق الأوسط ومجلس الكنائس العالمي نعتقد أن ذلك بمثابة السير نحو الهدف وهو الوحدة. تماماً كما تجتمع الدول الإسلامية وعددها 57 دولة في منظمة المؤتمر الإسلامي التي يرأسها د. أكمل إحسان أوغلو ومقرها جده.
ما تفسيرك لهيمنة كنائس غربية على بعض كنائس الشرق.. الأرثوذكس نموذجاً?
لا تسيطر كنائس الغرب على كنائسنا حالياً, ما عدا الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت ضحية قرارات عثمانية في إحدى المراحل, لقد تحررت بطركية انطاكيا وسائر المشرق من هيمنة الرهبان اليونان, فبعد ثورة الرهبان الكاثوليك أواخر القرن التاسع عشر قاموا بثورة أخرى وطردوا اليونان عن رئاستها وان شاء الله سنتمكن نحن من التخلص من الاستعمار اليوناني لكنيستنا.
كيف تنظرون كعرب مسيحيين إلى المسيحية الصهيونية?
هذه ليست مسيحية, لأنها باعت نفسها للصهيونية وهم بكل أسف يتخذون مواقف مؤيدة إلى درجة التماهي مع إسرائيل, ويسهمون في الاحتلال ويشجعون التعنت الإسرائيلي وسيأتي الزمن الذي نشهد فيه تحقيق العدالة بعد قطع دابر هذه المخططات الشريرة.
كعربي مسيحي, كيف تنظر إلى الاستهزاء الغربي بالرسول الكريم (ص) عن طريق الرسوم المسيئة?
الرسوم المسيئة هي إهانة وجهها بعض الناس في الغرب المسيحي للعرب المسيحيين وليس سراً القول أن الرسول الكريم (ص) ومنذ مطلع الدولة الإسلامية كان منزهاً لدى العرب المسيحيين ومحترماً جداً والشواهد كثيرة في جنوب الأردن على هذه المحبة والمودة التي لاقاها الرسول محمد (ص) من أهل تبوك والعقبة وأهل الشراه.
وما فعله بعض رسامي الكاريكاتور في هذا المجال كان بهدف الشهرة وبدفع من أعداء الإسلام والمسيحية ليس إلا, وهذا فعل كريه ولاقى بعضهم ما يستحون من العقاب عندما توقفت مجلاته عن الصدور ورفض حتى معظم الغربيين هذه الإساءات.
حوار الأديان هل هو حقيقة أم خيال?
حوار الأديان حقيقة واقعة إلى أقصى الدرجات وهو عنوان لهذا العيش المشترك الذي ننعم جميعاً في الشرق العربي بفائدته. وعلينا أن نعلم أن البلدان العربية التي لا يوجد فيها مسيحيون مثل الجزائر والمغرب التي يحضر الحوار مندوبون عنها يجدون في ذلك فوائد كبيرة.
ما التفسير المنطقي لتحالف بعض المسيحيين العرب مع إسرائيل?
هناك في بعض المناطق بكل أسف بعض مظاهر التحالف في أوساط الأمتين الإسلامية والمسيحية على حد سواء من العرب المسلمين أكثر من العرب المسيحيين في التحالف مع إسرائيل, ونحن نطالب بموقف عقلاني وتوازن في التفكير حيث أن جنوب لبنان كان تحت الاحتلال الإسرائيلي, وقد استطاع الاحتلال جذب البعض إلى التحالف معه, والجنرال سعد حداد, نموذجاً ومعه بعض المسلمين ولكنهم دفعوا الثمن غالياً, فالذين هربوا إلى إسرائيل من لبنان بعد التحرير وعددهم ثلاثة آلاف اكتشفوا بعد عشر سنوات من الهجرة القسرية أنهم ليسوا أعلى من المستوى المنخفض بالنسبة لإسرائيل لذلك أعلنوا رغبتهم في العودة إلى بلادهم مهما كانت النتائج, لأنهم تعبوا من العيش الذليل مع الإسرائيليين الذين يهينونهم صباح مساء وهم ليسوا أوفياء حتى لمن خان بلده وأمته من أجلهم, لقد استغلت إسرائيل هؤلاء حتى جردتهم من إنسانيتهم وهويتهم, وعندما حققت أهدافها تخلت عنهم بلا كرامة لهم لان دورهم انتهى.