سينودس الشراكة والشهادة
في حزيران (يونيو) القادم سيزور قداسة البابا بندكتس السادس عشر جزيرة قبرص رسمياً، وسيسلّم خلالها رؤساء الكنائس الشرقية وثيقة العمل الخاصة بالسينودس... هذا ما أعلنه أمين عام سينودس الأساقفة المطران نيكولا ايثروفيتش يوم 19 كانون الثاني 2010 أثناء عرضه الخطوط العريضة ودوافع إنعقاد سينودس الأساقفة الخاص بكنائس الشرق الأوسط والمرتقب عقده للفترة 14-24 تشرين الأول (أكتوبر) 2010 في الفاتيكان.
الخطوط العريضة للوثيقة
قدّم روبير شعيب على صفحات موقع زينيت مختصراً مفيداً للوثيقة، وعرض فيه خطوط المسار التي سيسلكها سينودس الأساقفة لكنائس الشرق الأوسط ويتداولها مع أصحاب الكلمة والفكر، ومبيّناً التحديات التي يواجهها أبناء هذه الكنائس.
الوضع السياسي: إنه التحدي الذي يواجهه المسيحيون في المنطقة. وهذا التحدي شبيه بالصراعات السياسية والعسكرية كما هو الحال في الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والأراضي المقدسة، وكذلك ما أدّت إليه الحروب في العراق إلى سقوط العديد من الضحايا بسبب تنامي قوى الشر، وفي لبنان حيث حال المسيحيين إنقسامهم دون مشروع واضح يقبله الجميع، وحال مصر حيث الكنائس والأقباط يعانون من تنامي العداء. كما يشرح روبير شعيب الموقر في أن الوثيقة تعرّض المسيحيين لظاهرة الإضطهاد والأقلية وعدم العدالة.
الحرية الدينية: إن التحدي الثاني الذي يواجهه المسيحيون في الشرق هو عدم ممارستهم لحريتهم الدينية ومعتقدهم الإيماني. فالمشكلة في هذه المنطقة هو أن الإعتقاد الديني ليس مسألة شخصية بل إجتماعية وقومية، وتغيير الإنتماء الديني يعتبر خيانة للمجتمع وللثقافة وللأمة المبنية أساساً على تقليد ديني، وغالباً ما تحظر القوانين الإرتداد عن الدين.
المسيحيون وتسييس الدين: إنه تحدٍّ آخر يواجهه المسيحيون، وظاهرة تسييس الدين ظاهرة حملت معها عدة تيارات سياسية عملت على فرض اسم الدين وفرض الشريعة على الأفراد في العديد من المجتمعات العربية. والتحدي الأكبر حينما تُفرَض الشريعة بالقوة، وأن لا حلّ غير هذا الحلّ.
الهجرة: إن تحدي الهجرة أصبح نزيفاً وخصوصاً في العقود الأخيرة، حيث شكّل البُعد الديني دافعاً للهجرة، وحمل الكثيرين على الخوف من الآتي، والمجتمع الدولي يتجاهل المسيحيين ومعاناتهم. فبدل من أن يعمل على إحلال السلام في الدول المتحاربة وتأمين فرص عيش كريم في بلادهم، يدعوهم إلى احتضانهم دون النظر إلى عملية إفراغ كنائسهم وأوطانهم من شريحة رسالتها، الشهادة للإيمان المسيحي وبناء الأوطان.
السينودس ... وبُعده الإيماني
هذا السينودس نداء واعد ودعوة متواصلة لتقوية العزيمة وعدم الخوف في الثبات في الإيمان المسيحي، وحيث كان أجدادنا وآباؤنا ثابتين في الأرض التي احتضنتهم _ حيثما ولدنا هناك دعوتنا _ فهو يدعونا اليوم لنواصل حمل هذا النداء عبر هذه الدعوة في الحسّ الإيماني المسيحي.
هذا السينودس علامة اهتمام وتعبير بليغ عن قرب البابا بندكتس السادس عشر لعلمه بما يجري لمؤمني كنائس الشرق الأوسط، فهو يسير على خطى سلفيه البابا لاون الثالث عشر وخادم الله يوحنا بولس الثاني. وهذا الإهتمام ما هو إلا دلالة على حقيقة المحبة لهذه الشعوب المتألمة، كما هو في الآن ذاته دافعاً قوياً على الحس الإيماني الذي يعيشه المؤمنون. فالبابا راعي القطيع ورئيس الكنيسة الجامعة، ويسهر على سلامة إيمان القطيع إذا ما جاء الشرير وزرع الزؤان.
هذا السينودس شاهد للقيامة: إن البابا يوحنا بولس الثاني ذكر في إرشاده الرسولي "بعد سينودس عام 1997" ما نصّه:"في هذه المنطقة الشاسعة التي تشمل أيضاً الأراضي المقدسة حيث تحققت أسرار الفداء، يُدعى المسيحيون إلى أن يكونوا شهوداً لموت المسيح وقيامته من بين الأموات بموجب هبة الروح القدس الذي يلهم المؤمنين على العمل في شركة ووحدة مع الكنيسة جمعاء لا لوحدهم" ... واليوم، هو الروح نفسه يلهمنا ويحملنا إلى العالم الذي نحيا فيه لنكون شهوداً وشهداء لمحبة المسيح التي ماتت في الطاعة فأنبتت لنا القيامة. وقيامتنا نحن أن نهب كل شيء حتى لو لزم حياتنا شهادة لإيماننا. وهذه الرسالة سبقنا فيها الرسل والشهداء والمعترفين والقديسين.
هذا السينودس قراءة للمستقبل الذي ربما نراه في شرقنا من المستحيلات وهو وجودنا وإظهار هويتنا. ولكن أي مستقبل؟، فالحقيقة لابدّ من قولها. لا يمكن بالقبول بإفراغ شرقنا من مؤمنيه، فالوجود المسيحي ميزة لهذا الشرق، ولابدّ من التمسك بالأرض، معتبرين أن حضورنا المسيحي ما هو إلا واجب وحق، وحضورنا تجذّر في شراكة مع الآخرين.
هذا السينودس خطوة سلام: إن كنائسنا ومؤمنينا في الشرق شهدوا منذ عقود عديدة حروباً وصراعات دموية عديدة أبعدتهم عن كنائسهم، كما عمل الإرهاب في الحقبة الأخيرة على اضطهاد المؤمنين بشتى الإضطهادات ... وهذه كلها لم يوضع لها حداً وأهمها الصراع الإسرائيلي العربي _ أحد أطول الصراعات في التاريخ _ الذي أنبت في قلوب أبنائه حقداً وكراهية ... والباباوات على مرّ التاريخ _ وبالخصوص منذ بولس السادس إلى بندكتس السادس عشر _ يعلنون أنه لا يمكن أن تواصل الحروب مسارها بين أبناء الشرق، ولكن على الجميع أن يعملوا من أجل زرع السلام. وما الرسائل البابوية في الأول من يناير (كانون الثاني) من كل عام إلا دليل أكيد على نيّة الكنيسة في إيجاد حلّ عادل لإحلال السلام في هذا الشرق المتألم.
هذا السينودس رجاء جديد لمسيحيي الشرق: في عام 1997، وقّع خادم الله البابا يوحنا بولس الثاني أثناء زيارته إلى لبنان وثيقة الإرشاد الرسولي للسينودس الخاص بلبنان بعنوان "رجاء جديد للبنان"، جاء هذا الإرشاد معزّياً ورجاءً أكيداً للبنان الذي عاش سنين عديدة في الحرب الأهلية. هكذا هو الحال اليوم في الشرق عامة، فالمؤمنون يعيشون مظاهر قاسية ومآسي واضطهادات مما حدا بالبابا بندكتس السادس عشر أن يعلن أن للشرق الحبيب أيضاً رجاءً جديداً.
نحن والسينودس وقضايانا
جاءت الخطوط العريضة لسينودس كنائس الشرق الأوسط _ شركة وشهادة _ منطقاً حقيقياً لواقع الكنيسة ومؤمنيها في هذه المنطقة. فالجميع يعانون مما حصل ولا زال. ولكي نتفاعل مع هذا الحدث المعزّي (الفاراقليطي)، علينا أن نركن قليلاً وجانباً بعض من أمور أنانيتنا ومصالحنا الذاتية لنتحد جميعاً أولاً بالصلاة ... علينا نحن إذاً:
- أن يقوم رؤساؤنا بتهيئة صلاة خاصة تُتلى في الكنائس جماعياً أو فردياً قبل انعقاد السينودس بأربعين يوماً أو بالقيام بصوم خاص دلالة على هذا الحدث الكبير.
- أن نقوم جميعاً بتوعية المؤمنين عبر المواعظ الأحدية أو اللقاءات بتوضيح مسيرة السينودس وما هي خطوطه العريضة، ليتفاعل المؤمنون مع هذا الحدث الإيماني.
- هناك أسئلة طُرحت ضمن الخطوط العريضة، علينا جميعاً اختيار مجاميع مختلفة من المؤمنين والعلمانيين والأكليروس وإبداء الرأي الضروري عبر إجاباتنا، فنكون بذلك قد اشتركنا وساهمنا في إنجاح هذا السينودس وفي مساعدة الكنيسة في إيجاد الرؤية الصحيحة في عيش الشراكة والشهادة.
- نعيش ضمن أغلبية بل أكثرية مسلمة أو مؤمنين من ديانات أخرى. في هذا الصدد يذكّرنا المجمع الفاتيكاني الثاني بتقدير مؤمني الديانات عامة وفي قيام علاقات تقود إلى تبادل الحوار الصحيح والتعاون في مختلف المجالات من أجل التعايش المشترك، وتقديم الإنجيل بطريقة عيش مثالية.
- إيجاد طرق إيمانية وإنسانية وثقافية تقودنا إلى تبادل الكلمة والرأي في الإنفتاح إلى المؤمن الآخر من كنيسة أخرى شقيقة فتكون هذه كلها طريقةً أميناً ومسلكاً مقدساً نحو شركة تنتظرنا لنكون أخيراً قطيعاً واحداً وراعٍ واحد ... وهذه دعوة لنا أن نكون جميعاً شركاء في العمل مع الله. فالبابا يقول:"أتمنى أن تزدهر الكنائس الشرقية لتقم بنشاط رسولي متجدد الرسالة المنوطة بها وهي تشجيع الوحدة بين كل المسيحيين وبخاصة الشرقيين طبقاً لمرسوم المسكونية.
- علينا أن نعمل على أن يعرف العالم -لاسيما المسيحي منه- بدور الشهادة التي يسلكها المسيحيون في بلادنا الشرقية، وقداسته يشجعنا كي نظلّ متجذّرين في أرض أجدادنا في شراكة القلب والنفس مع جميع المؤمنين المعمَّذين ليس فقط أمانةً وحفاظاً على الوجود والهوية والتراث، بل أيضاً كي نتابع باختيارنا حياة الشهادة والإستشهاد، وقد تميز بها عبر قرون عديدة حضور المسيحيين في الشرق إكليروساً وراهبات ورهباناً وعلمانيين ملتزمين.
أقولها: إن الشرق دون مسيحية يفقد ميزته. وإن الحوار مع المؤمنين في الديانات الأخرى يساعدنا على مقاسمة الحياة في الإنسانية. فالمهمة الملقاة على عاتقنا اليوم هي أن نكون شهوداً لحب الله للبشرية، ونريد التمسك برجائنا على الرغم من الصعاب وخيبات الأمل الكثيرة.
وأمنية البابا بندكتس السادس عشر أن "تتمكن الكنائس وتلاميذ الرب من البقاء هناك حيث ولدوا بحسب إرادة العناية الإلهية حيث من حقهم البقاء لأجل حضور يعود إلى المسيحية الأولى. لقد تميزوا عبر العصور بمحبة لا عيب فيها ولا إنفصام نحو إيمانهم وشعبهم وأرضهم.
مشاريع يقوم بها الفاتيكان والدول الأوروبية التي تفتح أبوابها لمهاجرينا وإيقاف الهجرة إلى الغرب من قبلها، والعمل على دعم مشاريع للحضور المسيحي وليس العمل على إفراغ البلد من المسيحيين كما حصل لبعض الدول الأوروبية التي حينما استشهد شاهد الإيمان بولص فرج رحو دعت كل عشيرته وأنسبائه إلى ترك العراق واللجوء إليها... هذا استغلال للحضور المسيحي -وإنْ كنا شاكرين للموقف الإنساني لهذه الدول- ومشاركة في إفراغ البلد من هذه الشريحة الأصيلة لسكانه، فنحن لسنا بحاجة إلى أقوال وأمنيات بل نحن بحاجة إلى أفعال وتحقيقها ولا أكثر... فالشرق أرضنا، وفيه خلقنا الرب لنمارس دعوتنا، ونحيا إنجيلنا مع غيرنا من الديانات الأخرى... رجائي أن نكون أوفياء وأمناء لدعوتنا وأرضنا وإيماننا.