كشف رئيس أساقفة الجزائر غالب بدر، بأن الاعتداء على كنيسة تفات بتيزي وزو أمر خطير، واستنكر أي اعتداء على أي رمز أو مكان عبادة لأي ديانة كانت. وأوضح في حوار مع جريدة الخبر الجزائرية بأن "قانون ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين تضييق على الكنيسة في الجزائر". وفيما يلي نص الحوار:
ما هو موقفكم من حرق وتخريب كنيسة تفات بتيزي وزو، وكيف صنفتم الحادث؟
حرق كنيسة مرخصة أو غير مرخصة وتدنيس رموز مكان عبادة، ومن أي ديانة كانت يستوجب الشجب من أي كان. ونحن لم نقل أي شيء عن الترخيص، لأن هذا لا يعنينا.
هل بلغتكم نتائج التحقيق في الحادثة التي تتابعها مصالح وزارة الشؤون الدينية والأوقاف؟
لم نعلم بعد بما توصل إليه التحقيق، فنحن كنيسة كاثوليكية، والكنيسة التي تعرضت للتخريب تتبع الكنيسة البروتستانتية، ومع هذا نحن نقول كلمة حق، لأننا نقف مع المظلوم والفقير، لأن هذا هو واجبنا الديني. وما تتوصل إليه نتائج التحقيق الأمني والقضائي، فيما يخص الخلفيات التي تقف وراء الحادثة، لا يعنينا، ونؤكد بأن ما يعنينا هو أننا نساند المظلومين. وكنا أصدرنا بيانا نؤكد فيه شجبنا لتدنيس أي رمز ديني ولو كان إسلاميا.
بعد تلك الحادثة، تم الاعتداء على مسجد بلدية أغريب بتيزي وزو، فما علاقة الحادثتين ببعضهما البعض؟
الحادثتان مختلفتان، وعلى ما يبدو، فإن الاعتداء على المسجد كان بسبب خلاف عائلي وليس بسبب صراع ديني، ونحن من جهتنا نقرأ في الحادثتين بأن فيهما أضرار، ولهذا فالاعتداء على الكنيسة كان من ديانة على ديانة، في حين الاعتداء على المسجد كان بسبب خلاف على إمامة هذا المسجد، وهي تعد أمور داخلية. وشرح لي وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري بوعبد الله غلام الله المسألة وأكدت بأنه ما دام لم يكن هناك اعتداء على المسجد فلا يمكنني أن أشجب ما وقع.
على ذكركم لقاء الوزير، هل دار النقاش بينكما حول التهم التي وجهت إليكم، بعد كل الذي حدث في تيزي وزو؟
(يصمت برهة ثم يقول) ... طبعا كان أول سؤال طرحته على وزير الشؤون الدينية والأوقاف، يخص الاتهامات التي وجهت إلينا بخصوص اتهامنا بالعمالة، ونفى الوزير نفيا قاطعا أن يكون هو أو المستشار الإعلامي بالوزارة، قد وجه هذا الاتهام. ومن جهتي وباسم أساقفة الجزائر طلبت بإصدار بيان يكذب فيه ما وجه إلينا من تهم.
وكان الأجدر بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف أن تشجب، كما فعل الأساقفة بعد الاعتداء على الكنيسة، لأنه اعتداء على أملاك الآخرين، وعلى رموزهم الدينية، بدل اتهام الأساقفة بالعمالة، لمجرد شجبهم الاعتداء على رموز دينية للآخرين. وأقول لغلام الله هذا أمر يعنيك. أضف إلى ذلك وبغض النظر أن يكون موضوع الاعتداء هو كنيسة أو غير ذلك، فهو في نهاية المطاف اعتداء على أملاك الآخرين ويشكل جرما قانونيا وخرقا للنظام العام الذي يجب أن يكون أي وزير معنيا به. ولا يمكن الدخول في دوامة إن كان مرخصا أم لا، لأن العدالة وحدها هي التي تقرر.
ماذا عن التضييق الذي يتسبب فيه قانون ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، هل عبرتم عن قلقكم منه للوزير؟
التضييق... (يتنهد ثم يواصل) موجود، فمعنى أن تخضع كل الممارسات الدينية لقانون هو في حد ذاته تضييق. وأنا أقول إما أن تكون هناك حرية أو لا تكون أصلا. وإخضاع الكنيسة للاعتراف بها إلى قانون، وكذا ممارسة العبادات أيضا، يطرح الكثير من الأسئلة، فهل يعني هذا أن هناك حرية أم تضييق، أو ماذا نسميه؟ وأنا أرى بأن ملتقى "حرية الممارسة الدينية في الجزائر" الذي ستنظمه وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، يومي 10 و11 شباط الجاري، موضوع جريء، ولهذا فهو مطروح للنقاش، وسأكون حاضرا من خلال إلقاء محاضرة، والفرصة للتعرف على نظرة الجزائر من هذه الممارسات.
معنى هذا أن الملتقى سيشهد نقاشا حادا فيما بين الحاضرين؟
(يبتسم وتتغير نبرة صوته ثم يقول) لن يكون حادا، فالهدف من تنظيمه ليس هذا، وسيكون النقاش موضوعيا، وبناء على طرح ورؤية واقعية.
ما تقييمكم لواقع الممارسة المسيحية في الجزائر بعد سنة من تنصيبك؟
سنة 2009 شهدت جمود الوضع، وأقول بعبارة أخرى "فترة لا حراك" من جانب السلطات الجزائرية، فالوضع كما هو عليه، منذ وصلت إلى الجزائر. لقد تقدمت بعدة طلبات خطية إلى وزارة الشؤون الدينية، منذ عدة أشهر، وإلى يومنا هذا لم نتلق أي رد. وأرجو أن يتفهم المسؤولين موضوعية طلباتنا، لأنها ليست أكثر من طلبات عادية. فنحن نتقدم بطلبات الحصول على التأشيرة للحضور من أجل إلقاء محاضرة، حيث يتم التحقيق باستمرار في الوضع وكأنه أمر خطير. وكل هذا يدل على أن الوضع الذي نعيشه صعب للغاية.
هذا من جانب السلطات الجزائرية، فما الذي استطعتم القيام به من جانبكم؟
كل ما يحدث لم يمنعنا من تأدية خدماتنا والقيام بواجبنا لخدمة الجزائريين، الذين يرتادون على مكاتبنا، ونحن ما زلنا نطوّر أنفسنا وفقا لمتطلبات الجزائريين وحاجياتهم. فنحن نقدم دروس التقوية والدعم في اللغة الفرنسية ونساهم في إقناع من تركوا المدارس واختاروا الشارع، من خلال ما نطلق عليه "الفرصة الأخرى"، حيث نستقبلهم ونقدّم لهم محاضرات من أجل أن نعيد إليهم الرغبة في العودة إلى المدرسة وتعويض ما فاتهم وعدم البقاء في الشارع.
كما أن هناك التكفل بالمعاقين وكذا ظاهرة المهاجرين غير الشرعيين التي تطرح من باب القضايا الإنسانية، وليس القانونية والسياسية، فنحن نقدم لهم ما نستطيع، خصوصا وأنهم يعانون بسبب غياب المأوى والأكل.
طرح في سويسرا وغيرها مسألة منع بناء المآذن، ألا ترى بأن الأمر خطير، في زمن تعايش الأديان؟
جوابي هو.. (يصمت ويفكر ثم يواصل).. أود أن يعلم الجزائريون بأن أول المدافعين عن المآذن هم الأساقفة ورجال الدين المسيحيين في سويسرا. ومن جهتي، فأنا شخصيا أؤكد بأن الكنيسة مع الحرية الدينية والرموز الدينية. لكن وفي نفس الوقت لا يجب أن يتحول أي حادث إلى قضية كبرى، وأن نترك الأمور في حجمها الطبيعي وأن لا نضخمها. وأقول بأن المسلمين مقبولين في سويسرا ولهم مساجدهم ويصلون بحرية. أضف إلى ذلك، فإن قضية المآذن طرحت على التصويت الشعبي، وأتمنى لو تم طرح قضايانا العربية على الاستفتاء الشعبي. ولهذا يجب أن يحترم ما توصل إليه الاستفتاء، وربما مع مرور الزمن، ستنضج الأفكار، وتتغير صورة الإسلام في سويسرا، وتتغير معها نتائج الاستفتاء الذي سيعاد تنظيمه.
فماذا عن منع ارتداء البرقع أو النقاب في فرنسا وغيرها من الدول الغربية؟
هي نفس قضية المآذن، فحتى مسألة ارتداء النقاب من عدمه، تعد موضوع خلاف في الدول العربية والجامعات، وعلى الإسلام أن يتخذ موقفا منها. فإما أن ارتداءه يعد أمرا دينيا لا يمس، أو أنه عادة اجتماعية، ولهذا لا يجب أن تكون موضوع خلاف وانقسام في العالم، ومغذيا لصراع الحضارات، وأنا أرى بأنه أمر يعني الإسلام قبل الغرب.
الأكثر من هذا، فقد منع ارتداء النقاب في الجامعات المصرية، وحتى الكويت. ولهذا فلا يجب أن يتم تصنيف ما يحدث ضمن الاعتداء على الإسلام. وبالتالي فعلى العالم العربي والإسلامي أن يحدد موقفه منه وليس فرنسا أو غيرها.
تابعتم ما جرى منذ شهر تشرين الثاني بين الجزائر ومصر، بخصوص مباريات كرة القدم، فما هي نظرتكم لكل الذي حدث؟
أنا أدين الطرفين، بسبب تضخيم الأمور والسماح بأن تتحول متعة الناس إلى خلاف بين دولتين شقيقتين، مدعوتين للتفاهم والتعاون لخير الشعبين. ويؤسفني تضخيم وإفساد هذه المتعة، ولهذا كان يجب أن تبقى متعة الجماهير وأن لا نفسدها بحسابات خارج كرة القدم. ولهذا فالمباريات التي جمعت الجزائر بمصر أعطيت حجما أكبر مما تستحق. وبالتالي فقد أساءت للبلدين وللشعبين، وإلى العلاقة التي تجمعهما وهو الأهم في الموضوع.
لكن انحرف الوضع وأحرق العلم الجزائري وقبله تم الاعتداء بالطوب والحجارة على حافلة الفريق الجزائري، فما رأيكم؟
لا أقبل أن يحرق علم دولة عربية في دولة عربية أخرى، مهما حدث. أين نحن حتى يحدث هذا؟ وأنا أدين الاعتداء على الفريق الوطني وما حدث بين المشجعين، وكان الأجدر أن تجمع كرة القدم قبل أن تفرّق.
ألا ترى بأن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من كل ما حدث؟
هذا الوضع هو الذي أشرنا إليه، هو الذي سمح للبعض أن يصطاد في المياه العكرة. وإسرائيل بالطبع، هي المستفيدة من أي خلافات عربية، ومنذ تاريخها إلى اليوم، يهم إسرائيل التقسيم وعدم التفاهم بين الدول العربية، لأن الاتفاق لا يخدم مصالحها، وعلينا نحن ألا نسمح بذلك.
يحتفل الجزائريون على غرار العالم الإسلامي، نهاية الشهر الجاري بذكرى المولد النبوي الشريف، فما هي رسالتكم لهم؟
كل التهاني للمسلمين، ويعني المولد النبوي، مولد ديننا الإسلامي، بمولد الرسول العظيم في تاريخ الأديان البشرية. والإسلام ديانة لها تأثيرها على الملايين من المسلمين ومن غير المسلمين. وأقول بأننا نحن شركاؤهم في هذا الوطن، وفي خدمة التفاهم والتعايش بسلام واتفاق. وكل عام وأنتم بخير، ولا أفوت تهنئة "الخبر" بالمرتبة التي احتلتها في ترتيب الصحف العالمية.
يعتنق العشرات من غير المسلمين الإسلام في الجزائر، فكم يبلغ عدد الجزائريين الذين يعتنقون المسيحية؟
لا تهمني الأرقام، وليست لدي إحصائيات أصلا، وإنما أقول أني احترم كل من يعتنق أي دين كان عن قناعة واستقامة، فالمؤمن الذي يعيش بمبادئ أفضل للجميع وللوطن من شخص ليس له أي مبادئ لا توقفه عن ارتكاب الشر.
على ذكركم الشر، ما هي رسالتكم للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، التي تواصل عملها الإرهابي؟
العنف، لم يكن يوما طريقا لتحقيق أي مطلب، ولو كان عادلا، لأن قتل الأبرياء مرفوض، والقتل الأعمى من خلال التفجيرات مرفوض أيضا. وإن كان لأي طرف مطلب أو طموح، فهناك محافل يستطيع أن يثبت وجوده فيها، وأن يثبت صحة مطالبه أو طموحاته، وبالتالي أدعو الجميع لطي صفحة العنف ورفضه كمبدأ لحل أي نزاعات أو خلافات، ويجب فتح صفحة المصالحة والتعاون وتوحيد الجهود في سبيل خير المجتمع والوطن.
ماذا عن اتهام الأساقفة بالعمالة، بعد حادثة تيزي وزو؟
أقول بأن الاتهام بالعمالة يوجه للأحزاب السياسية في حادثة الاعتداء على مسجد بلدية أغريب، وليس بالنسبة لحادثة الكنيسة، ولا يجب اتهامنا، وهذا لا يليق أصلا بوزير الشؤون الدينية والأوقاف أن يتهم رئيس الأساقفة بالعمالة.